الانتصارات الكبيرة التي يحققها الجيش العربي السوري وما بعدها شهادة وطنية وقومية جامعة على أهمية القوة الخلاقة، وعلى ضرورتها في حسم المعارك الكبرى من قبل الجيش العربي السوري الذي يحمل مفاهيم العقيدة العسكرية التي يتحلى بها جنود هذا الجيش العظيم، فهي تعني حقيقة الإرادة والمسؤولية، مثلما تعني الإصرار على أن يكون هذا النصر جهاداً وطنياً بالمعنى القيمي والأخلاقي والشرعي.
ما تحقق في الميدان سيكون حتماً في الوجدان، وهذه الثنائية ضرورية ليس للتعبير عن قيمة النصر، بقدر ما هي استشراف لأهمية التلازم ما بين شرعنة القوة الخلاقة والوعي، لأن الحاجة لها ستظل قائمة في المعارك القادمة مع القوى الظلامية، وفي مراحل تعزيز مشروع الدولة القوية وحمايته، وفي مشروعات التنمية والبناء، التي هي الأطر الشاملة للانتصار على كل الصعد.
أهمية هذه الانتصارات تتجلى في حال سورية الجديدة، تتعزز فيها الثقة بالإرادة الوطنية وبمشروعية الدولة ومؤسساتها، مثلما هي الحاجة لأن يكون هذا النصر درساً وطنياً، على مستوى تراكم الخبرة للمؤسسة العسكرية العقائدية، وعلى مستوى التلاحم الشعبي والمجتمعي واستنهاض الهمم التي كانت الحافز الأكبر على الإيمان بحقيقة النصر، فضلاً عن ضرورته في دراسة ومعاينة كل الظروف والعوامل التي تسببت في الأحداث الجارية، بما فيها التأثيرات السياسية، التي اصطنعت لها (طوابير) متعددة الألوان والاتجاهات، وبأجندات دولية وإقليمية لا شأن لها سوى تخريب العملية السياسية في سورية، وإجهاض مشروع الدولة الوطنية الجامعة.
إن الانتصارات التي تتحقق ليست فعلاً عسكرياً فقط، بل هي تمثل كل معطيات الواقع السوري وتحدياته، والتي تتطلب وعياً بحاجات القوة الخلاقة وشروطها، والتي أدركت خطورة الموقف الوطني والحاجة إلى هذا النضال بوصفه مصدراً شرعياً للقوة الخلاقة وللسيادة، والتي فرض من خلالها الجيش العربي السوري بروحه الوثابة معادلات جديدة لمعاني القوة الخلاقة، ولقواعد الاشتباك في الميدان وفي المواجهة، وليس انتهاء بالعقلانية والمهنية التي أدارت المؤسسة العسكرية بخططها وبرامجها وجهدها اللوجستي والتعبوي، وكل هذا التلازم والتعاضد كان هو الميدان الواسع للانتصار في المعارك، وفي إدامة زخمها.
النصر السوري العسكري العقائدي هو أيضاً- لازمة لعناوين جديدة للنصر السياسي، وللنصر الوطني والقومي، وللنصر الأخلاقي، إذ استطاعت هذه العناوين أن تشكل صدمة، وإضاءة حقيقية لإفشال المؤامرة التي تقودها أمريكا وفرنسا وبريطانيا، وأن تكون عاملاً سانداً لفضح كل الأجندات التي تقف وراءها، وأن تؤسس أفقاً جديداً لحالة سورية وعربية وحدوية ولاسيما مع العراق ضد الإرهاب، وأن تكون هذه الحالة أيضاً عاملاً سانداً لفضح كل الأجندات التي تقف وراءها أكبر دوائر المال، إجراماً ووحشية، وأن تؤسس أفقاً جديداً ليس على مستوى صناعة القوة وحدها، بل على مستويات ترصين وجود هذه القوة، والثقة بها، وترسيخ وجودها في العمل المؤسسي، وفي تنظيم هذه الإرادة، وفي تحفيز المعاني الأخلاقية للنضال بمواجهة كل عوامل التآمر، ومع توق الشعب السوري للخلاص من أسباب التهديد الأمريكي- الغربي والمشروعات الاستسلامية التي تريد تجزئة الوطن العربي والتصدي للحركات الإسلاموية المتطرفة التي جاءت بها أمريكا وحلفاؤها الغربيون، لتدمير منجزات الشعب العربي السوري.
ومع استمرار عمليات تحرير الأراضي السورية كلها من الإرهاب تكون سورية قد أنجزت الخطوات الأهم باتجاه تحسين موقع الدولة، وإغلاق المناطق الرخوة أمام موجات التطرف، حيث كانت هذه المناطق تمثل جرحاً نازفاً في جسد الدولة السورية، عندما تمكنت عصابات الإرهاب من اختراقها.
فكان أن تجد «القاعدة» وبعدها وريثها «داعش» الإرهابي في تأليب السكان بعضهم على بعض، وزرع العداوات وإثارة التناحرات، عبر خطوات منظمة من عمليات تدمير الثقة المتبادلة وقطع أواصر التواصل الاجتماعي، وبناء جدران من العزلة، لتدمير إمكانات التعايش وتحطيم السلم الأهلي، وكان واضحاً أن عمليات تحرير حلب ودير الزور وريف دمشق قد أفشلت رهانات متعددة وسيناريوهات كثيرة لما كان يراد لسورية، ولتركيا بطبيعة الحال يد طولى، حيث حاولت باستماتة أن تكون لها كلمة في الشأن السوري انطلاقاً من مشكلة عفرين.
عندما استعادت سورية الغوطة الشرقية وما بعدها من مناطق محيطة بدمشق سقطت الرهانات المشبوهة حيث عادت المدن والبلدات والقرى إلى أهلها بعد سنوات المحنة الطويلة، لتستعيد الطريق لتعافي سورية لتستكمل بعدها خطوات إعادة بناء الدولة رغم الصعوبات الكبيرة، لكن الشوط الأكبر تم إنجازه، واليوم وفي خضم الانتصارات الكبيرة التي حققها الجيش العربي السوري، يمسك الجيشان العربيان السوري والعراقي حدودهما، وهما أشد عزيمة لتدمير ما بقي من آلة «داعش» والعصابات المتجحفلة معاً لتشديد الخناق على من بقي منها على قيد الحياة.
إن نظرة ثاقبة للمعارك التي يخوضها الجيش العربي السوري تثبت امتلاكه زمام المبادرة، فقد أجمع الخبراء العسكريون في الغرب الأوروبي على أن النجاح الذي حققه هذا الجيش وهو يقاتل على الأرض وفي الجو ضد الزمر الإرهابية المدربة في دول العدوان كان قتالاً تمت إدارته بمهنية عسكرية وبفنون العقيدة العسكرية التي امتلكتها أفضل الجيوش في العالم في ساحة الميدان، وبهذا فقد أثبت الجيش العربي السوري أنه القادر على حسم المعارك، لحمله المفاهيم العسكرية العقائدية التي ورثها منذ تأسيسه، وبذلك كانت الرؤى العقائدية تمثل إمكانية نجاحه في حسم المعارك العسكرية بخطا ثابتة في ميادين القتال ضد العدوان الأمريكي- الغربي- الصهيوني والحركات المتطرفة.

::طباعة::