منذ تلك الأمسية في المركز الثقافي العربي في صحنايا، مازالت تؤرقني محاولة التَّسلُّل إلى ذاك العقل المعماري الذي أنجز «المصطبة» حيث قُدِّم مؤخراً عرضٌ رياضي، وآخر راقص في منتهى الرُّقي.
تلك «المصطبة» لا يجوز بأي شكل من الأشكال، ولا من أي زاوية من الزوايا، النَّظر إليها على أنها «خشبة مسرح»، فمن ناحية الماهية هي «صبّة باطون» بطول أربعة أمتار وعرض أربعة أمتار وارتفاع 60 سنتيمتراً، وعليها سجَّادة كالحة من كثرة الاستخدام وقلة النظافة، ومن الناحية العلمية أيضاً هي غير صالحة لأي عرض، لأنها لا تُحقِّق شرط الفرجة السليمة من جميع مقاعد الصالة، ولاسيما مع تلك الستائر التي تُغطِّي ما يُسمُّونه تجاوزاً «كواليس»، وتأخذ معها بالمعيّة جزءاً كبيراً من «المصطبة» التي يتم عليها العرض، وخاصة بالنسبة للمقاعد الجانبية، أضف إلى ذلك أن الجدار الوحيد في العمق مغطىً بستارة بلون قرميدي باهت، ومُقدِّمتها أيضاً، لكن كلا الستارتين تشبهان إلى حدٍّ كبير ستارة مطبخ، وطبعاً أنا أمدح هنا تلك الستائر، وأيضاً علينا أن نُغفل مدافع الإضاءة وتوزيع مكبِّرات الصوت وغير ذلك من بدهيات أي خشبة مسرح، وأن نتجاوز القلق من سقوط أحد من مُعْتَلِي تلك الخشبة، وخوفنا من أن يُصبِح مُعتَلَّاً لا سمح الله… وغير ذلك الكثير.
تخيَّلت لوهلة أن ذاك العقل المعماري يُشبه إلى حدٍّ كبير تلك «المصطبة»، في تحجُّره وبلادته وبشاعته، إذ إنه تجاوز كل ما له علاقة بـ«صالة متعددة الاستعمالات» كالتي تحتضنها دار الأوبرا الدمشقية مثلاً، أو الصالات المُعدّة للحوارات المفتوحة سواء على «طاولة مستديرة»، أو جلسات «المربَّع المفتوح» التي تتيح للجميع أن يرى الجميع ويتناقش معهم… أليس من حق كل بلدة وقرية في سورية أن يكون لها مسرحها المُصَمَّم وفق القواعد العلمية الصحيحة، حتى لا نخشى على مُبدعينا، على اختلاف أعمارهم، أن يصيروا ضحايا «المصطبة» التي يُسمُّونها خطأً «خشبة مسرح»؟.

print