عرف المسلمون تجديد الوعي بفهم الدين مع بداية نشوء الفرق الكلامية والمذاهب الفقهية، لكنه لم يسلم من نزعات التكفير والتراشق بشعارات التصويب والتخطئة، وفي ذلك يجب أن ينطلق‏ التجديد الديني هذه المرة من وقفة صحيحة على قنوات الإنتاج الثقافي لتفسير القرآن الكريم وشروحات السنة النبوية لنلتمس من تعددها وتنوعها أفقاً بين أبناء الدين الواحد والأمة الواحدة.
وهنا يجدر الالتفات إلى ملاحظتين: إحداهما: لكل عصر من عصور- الفكر الديني- أساليبه في استخدام- النص الإلهي- تحت شعار حاكمية هذا النص على الواقع بمعنى وجوب ترويض الواقع وتطويعه لمصلحة النص الذي يجري إغلاقه عادة على تفسير حرفي أحادي يتجاهل حيوية النص الأول ومرونته ليقفل من وراء هذا التجاهل إمكانية تجديد الوعي بالنص الإلهي تجديداً يواكب تمرحله في الزمان والمكان، ما يعني أن شعار حاكمية النص -هو في حقيقته المخفية ترويج باطني مضمر- لحاكمية تفسيره الأحادي من دون السماح بمناقشته أو الإصغاء للتفسيرات المختلفة معه أو عليه، ولأن الفكر الديني عند بعض المتكلمين باسم الدين يقوم على -فكر اللغة- وليس على لغة الفكر فقد اتهم بالطوباية والجمود.
ولأن الفكر الديني عند بعض المتكلمين باسم الدين يعتمد على مرجعية ــ التفسير التاريخي للنص فقد اتهم بتصدير ــ المشكلات التاريخية على واقع لا يتحمل شيئاً من مسؤولية تلك المشكلات إلا بمقدار إهماله في أن يجد لها حلاً ليتسنى له تجديد وعيه بالدين على قاعدة: «تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ»- البقرة (134).
ثانيهما: إذا كان من عوامل الجمود الفكري الديني هو نزعة التقديس لشروحات التفسير الأحادي- للدين- أو نزعة التأريخ لتوثيق تلك الشروحات فإنّ المجال الحيوي لمقولة تجديد الفكر الديني يجب أن يواجه تحدي اختبارات هذا التجديد من إشكال المنهج ومن إشكال تجديد شخصية الفقيه المفتوحة على تجديد أصول الفقه الإسلامي ومبانيه ليصدر منهما شعاع جديد هو الفكر الديني الذي يجيبنا عن أسئلة مشكلات واقعنا المعاصر… بعيداً عن الفكر الذي كان ولا يزال يجيبنا عن أسئلة الماضي ومشكلاته.. وأياً تكن درجة التشابه بين مشكلاتنا ومشكلات السلف الصالح فإن المنهج الصحيح في حلها هو أن نضيء فهمنا نحن للنص الأول حتى لو كان متعارضاً أو متناقضاً مع أفهام من سبقنا من الفقهاء رضوان الله عليهم أجمعين.. ‏

::طباعة::