تواجهك أحياناً أفكار قد تبدو مستحيلة أو غريبة، خاصة إذا كنت تحضر مؤتمراً علمياً أو حتى اقتصادياً يضم خبراء ممن يهتمون بالمستقبل.

آخر هذه الأفكار التي وصلتني، تمثل في تساؤل غير عادي وهو:

هل هناك مستقبل للمقال الصحفي، أو حتى للتقرير الصحفي أو التلفزيوني أو التحقيق أو الرأي؟

مايُطرح الآن عالمياً بعد انتشار صناعات المحتوى الرقمي، هو أن المتلقي الجديد لايقبل طريقة التلقي التقليدية، هو يطلب القيم المضافة فقط، ويريد أن يحللها ويخرج ذاتياً بخبر أو تقرير أو حتى زاوية رأي.

انتشار مفهوم التحقيق الإلكتروني الذي يشارك فيه كل من له علاقة بالموضوع المطروح، محلياً وحتى عالمياً، ينقلنا إلى حالة التحقيق المفتوح، الذي يخرج المتلقي فيه بمعلومات جديدة كل يوم، بما يتيح له صناعة معرفة جديدة وموقف جديد أو رأي جديد.

ماهو دور الصحفي هنا؟

الصحفي في عالم الصناعات الرقمية هو صانع للقيمة المضافة، التي يمكن للتطبيقات أن تتعامل معها، وتتيح للمتلقي أن يقرأها بالطرق المعرفية، وبروابطها المرجعية والإحصائية، ليتحول فيما بعد إلى مستوى صانع للمعرفة.

فكرة هذا التوجه تأتي من علاقة المتلقي الجديد بالنص، فهي لم تعد مجرد علاقة قراءة بقدر ماستكون علاقة قراءة معرفية، أبعد من أن تكون قراءة ذاكرة، وتالياً, فللعقل فيها موقعه الحاسم، وهو مايعني أن المتلقي سيكون مشاركاً في صياغة القيمة المعرفية من خلال ثقافته، وهنا سنصل إلى النص متعدد القراءات، انعكاساً لتعدد الثقافات.

أما هذا التغيير الجذري في النموذج التقليدي للعمل الصحفي، فنكتشف أن المقال الصحفي يواجه تحدياً كبيراً في قدرته على الصمود أمام الهجمة المعرفية ـ التقنية العالية القادمة، وبالتأكيد سيعيش المقال الصحفي في الدول البعيدة عن التطور التقني والذهني أكثر مما يعيش في الدول المتقدمة.

المرحلة القادمة هي مرحلة تطبيقات، والتطبيقات ستحل كناقل ذكي محل الصحافة الورقية أو المحطات التلفزيونية أو الإذاعية، وهذا يعني أن الصحفي القادر على الحياة سيكون مطالباً باستيعاب مايحصل وبذهنية منفتحة مؤهلة للإنتاج في النماذج الجديدة.

::طباعة::