لاشك في أن المراقب أو المتابع السياسي يحتاج إلى قدرة إضافية من أجل الإمساك بشكل دقيق وموضوعي بخيوط ومسارات وتوجهات السياسة الأميركية، أي يحتاج إلى ضرورة التفريق بين الكذب والصدق في المواقف الأمريكية، وبين الثانوي والأساسي، وبين التكتيكي والاستراتيجي وقبل ذلك وضع اليد بشكل كامل على ما تثيره الولايات المتحدة بلسان رئيسها ترامب من بالونات اختبار حيال الأوضاع ليس في سورية فحسب، بل أيضاً حيال أوضاع المنطقة عموماً.
بالأساس نجد أن الولايات المتحدة لا تريد تفاهماً أو توافقاً مع روسيا حيال قضايا الصراع والنزاع على المستويين الإقليمي والدولي، وبشكل خاص بشأن موقف أميركا من إيران ومن سورية ومن القضية الفلسطينية وما تطرحه من مشروعات تريد من خلالها استمرار ادعائها بالخصومة مع روسيا، وفي أفضل الأحوال ما عبّر عنه الرئيس ترامب في قمة هلسنكي من أن روسيا ليست صديقاً، بل هي منافس شريف، وذلك في المؤتمر الصحفي المشترك مع الرئيس فلاديمير بوتين.
منذ شهور والولايات المتحدة تعلن أنها ستسحب قواتها من سورية في ظل الضغط الروسي والدولي على الإدارة الأميركية، والأهم من ذلك بسبب الانتصارات التي يحققها الجيش العربي السوري حتى في المناطق القريبة والمتاخمة لوجود هذه القوات التي هي في القانون الدولي قوات احتلال وغير شرعية، لكن في الوقت نفسه تسعى أمريكا إلى الاستمرار في تبني ودعم ما تبقى من «داعش»، وهو ما جرى في بادية شرقي السويداء، فأمريكا شكّلت غطاء لمجموعات «داعش» الإرهابية وجرائمها في السويداء وشكّلت أيضاً الحاضن لهؤلاء الإرهابيين عبر نقلهم إلى مناطق تعتقد أمريكا أنها قد تكون ساخنة لإعادة تشغيل هذا التنظيم الإرهابي المتوحش، وهو ما يطلق عليه «الحروب المتنقلة» والتي تريد أمريكا من خلالها الإبقاء على وجودها لاستباحة الأرض السورية.
وفي الوقت الذي بدأت فيه أمريكا بفتح حرب جديدة على إيران بعقوبات أرادت أن تستكملها بشأن انسحابها من الملف النووي الإيراني، وتراجعت في الوقت نفسه كنوع من التأجيل بإعلان «صفقة القرن» حيال القضية الفلسطينية وهي الصفقة التي ماتت قبل أن تولد.
كل هذه النيّات الأمريكية تدلل على أنه ينبغي عدم الوثوق مجدداً بالسياسة الأمريكية المقامرة والخرقاء والعدوانية ولابد هنا من إجبارها على التخلي عن هذه السياسة.

::طباعة::