في مؤتمره السنوي الدوري الذي عقد في أيار الماضي استضاف مركز «هيرتسيليا الإسرائيلي» للأبحاث الاستراتيجية وزيري حرب إسرائيليين هما موشيه أرينز وموشيه يعالون، وكان عنوان البرنامج الذي بثه «يوتيوب» المركز يتعلق (بمدى استعداد «إسرائيل» لحرب مقبلة) وكان الدكتور العقيد المتقاعد شاؤول شاي من رئاسة المركز هو الذي يديره فعرض الاثنان، وهما من حزب الليكود الحاكم، استنتاجاً يحدد أن «الخطر الأكبر والمباشر على «إسرائيل» لم يعد موجوداً إلا من جبهة الشمال» التي تشكلها سورية وحلفاؤها، إضافة إلى وجود جبهة محدودة في قطاع غزة».
وشرح أرينز خطورة أن يتمكن الجيش العربي السوري من إدخال صواريخ قصيرة المدى ويخفيها عند سكان القرى المجاورة للقنيطرة وغيرها من المناطق القريبة من «إسرائيل» لاستخدامها… ورأى يعالون أن الأخطار تزداد لأن دولاً وأطرافاً في المنطقة لا تزال ترفض وجود «إسرائيل» وهذا يعد من أكبر التحديات التي تواجهها «إسرائيل» في السنوات المقبلة سواء في ظروف حرب مباشرة شاملة أو في ظروف حرب استنزاف قد تعد أطراف جبهة الشمال نفسها لها .
وعن الحلول والمخارج التي يراها لهذا التحدي يقول يعالون: على القيادة الإسرائيلية حشد دول عربية معها ضد هذه الجبهة و«استخدام سياسة العصا والجزرة»، لكنه في الوقت نفسه اعترف بأن انتصار الجيش الإسرائيلي في أي حرب مقبلة «سيعتمد بشكل متزايد على قدرة الشارع الإسرائيلي على التحمل والصمود»، وهذا ما يعد إشارة واضحة لنقطة الضعف الإسرائيلية القائمة في الجبهة الداخلية مثلما هو اعتراف بأن الصواريخ الموجهة من جبهة الشمال لن تتمكن الخبرات والتكنولوجيا الإسرائيلية من منع سقوطها أو سقوط معظمها على مدن ومستوطنات إسرائيلية، وهذا ما يؤدي إلى انتشار الذعر والشعور بالعجز وفرار المستوطنين إلى الخارج على غرار ما حدث نسبياً بعد عدوان تموز 2006 الذي حوله حزب الله إلى انتصار مذهل له حين تساقطت صواريخه طوال 34 يوماً فوق الجبهة الداخلية الإسرائيلية وتسببت بفرار مئات الآلاف إلى جنوب فلسطين المحتلة والخارج.
ويوافق أرينز يعالون على أن استعدادات «الجيش الإسرائيلي» وقدراته المفترضة لا تكفي وحدها في حسم أي حرب إذا ما عجز الشارع الإسرائيلي عن التحمل والصمود، ويرى يعالون أن «إسرائيل» « تواجه تزايداً في الامتحانات المقبلة» التي فرضها انتصار سورية وحلفائها، ولذلك ركز على ضرورة أن تعول «إسرائيل» على استنباط قوة لها من خلال تسخير بعض الدول العربية المستعدة للتعاون معها في مواجهة استحقاقات حرب كهذه.
ولا شك في أن وزيري الحرب الإسرائيليين، سابقي الذكر، يدركان ما يحمله الخوف الإسرائيلي منذ بداية عام 2018 من مضاعفات على جبهة «إسرائيل» الداخلية، ففي استطلاع رأي نشرته صحيفة «جيروزليم بوست» الإسرائيلية في 27-كانون الثاني الماضي تبين أن 31% من المستوطنين يرون أن الخطر الأكبر على كيانهم تشكله جبهة الشمال، وأن 21% يرون أن إيران خطر مماثل، وهذا يعني أن أكثر من نصف الجمهور الإسرائيلي في الجبهة الداخلية يدرك أن أي حرب مقبلة ستجبره على استقبال صواريخ تهدد بقاءه، وهو الخطر نفسه الذي تحدث عنه يعالون.
ويبدو أن ثغرات الجبهة الداخلية الإسرائيلية في هذه الظروف هي التي دفعت «قيادة جيش الاحتلال الإسرائيلي» إلى مطالبة واشنطن بإعداد 3000 جندي أمريكي في آذار الماضي للمشاركة في أكبر مناورة تنظمها لحماية الجبهة الداخلية الإسرائيلية من مضاعفات الصواريخ على المستوطنين، والحيلولة دون فرارهم من المدن والمستوطنات، ففي جميع الحروب السابقة كان جيش الاحتلال الإسرائيلي يطلب مساعدات عسكرية لا تتطلب مشاركة قوى بشرية أمريكية عسكرية في حماية الجبهة الداخلية.. لكن الظروف بدأت تختلف الآن بعد انتصار الجيش العربي السوري وحلفائه وتزايد قدراته العسكرية.
وهذا كله يؤكد أن الاستراتيجية التي أعدها القائد المؤسس حافظ الأسد من أجل تحقيق توازن استراتيجي مع «إسرائيل» بعد اتفاقية «كامب ديفيد» وخروج مصر من دائرة المجابهة عام 1979 لا تزال تحقق وجودها بفضل انتصار سورية وحلفائها في الحرب الكونية التي شُنّت ضدها في السنوات الثماني الأخيرة.

::طباعة::