نتحسَّر في كثير من الأحيان على الأيام الماضية، رغم أن مجرد الحصول على إخراج قيد فردي أو حتى بيان عائلي آنذاك، كان يحتاج مراجعة دائرة النفوس في محافظتك، ولو كلَّفك ذلك قطع مسافة قد تزيد على الخمسمئة كيلو متر، ومن ثم الانتظار كي يعثر الموظف على سجلِّكَ الورقي الضخم، والذي قد يكون في أعلى رفّ، ما يضطره للصعود على سلُّم حديدي، وتحريكه أكثر من مرة حتى يجد ضالَّته، وبعد ذاك الجُّهد سيتحتَّم عليه الاستراحة بعض الوقت قبل أن يبدأ بكتابة البيانات على ورقة خاصة، وعليك بعدها أن تستكمل التواقيع والأختام، هذا إن لم تضطر للبدء من جديد في حال خطأ بسيط من الموظف الأول، ككتابة اسم والدك محمد بدل محمود، أو اسم والدتك عزيزة بدل غدير، وذلك بحُكْم شناعة خطّ المُدوِّن.
الآن، ومع أتمتة السجلات المدنية، قد يتوقع البعض أن الوضع بات أكثراً يسراً وأسلس وأسهل، لكن مجرد محاولة واحدة ستُقنِعُك بأنَّك مُخطئ، ولاسيما في بعض المراكز البريدية التي تقدِّم تلك الخدمات في البلدات والأرياف، والسَّبب ببساطة أن ثمَّة موظفاً طويلاً عريضاً مُهمَّته أن يقطع لك «بطاقة الدَّوْر»، وموظَّفة من ضمن عشر نوافذ هي الوحيدة القادرة على التَّعامل مع الكمبيوتر والبحث عن طَلَبِك إلكترونياً، ورغم سنين الخبرة لديها، إلا أنها ما زالت حتى الآن تطبع سبعة أحرف بالدقيقة، أي إن كنت بحاجة إلى إخراجات قيد لأولادك الثلاثة مثلاً، فستضطر للانتظار عدة مرات، أولاها حتى يصل دورك، وأخرى مديدة حتى تُدخِل تلك الموظفة أسماء أولادك وبعد كل ولد سيأخذ منها أمر الطِّباعة عدة دقائق، لأنه من شبه المؤكد أن الشبكة ستتوقَّف أو أن الكهرباء ستنقطع لا محالة بسبب حظِّكَ النَّحس، أما الانتظار الأخير فهو مع الموظفة الحامل في الشهر السادس، وروحها في رأس مناخيرها، فمن دونها لا تكتمل معاملتك لأنها المُتخصصة بوضع الختم الخاص برئيس المركز على قيودك المدنية. ومع كل تلك الانتظارات المجّانية و«الشَّربكات» المُمِضَّة ستتمنى أكثر من مرَّة أن تُلغى الأتمتة وتذهب في رحلة إلى محافظتك البعيدة جداً جداً، على الأقل لن تكون مُقيَّداً بكل تلك القيود، وكما يقول المثل «كل سجن وإلو باب».

print