في كل مرة تقوم بها القوات «الإسرائيلية» أو أدواتها الإرهابية بالاعتداء على سورية والسوريين، ترتفع الأصوات المطالبة بالرد العسكري والحاسم، كنوع من الانتقام للشهداء، أو استعادة صورة يتخيل البعض أنها خُدشت، كثير من هؤلاء في نفوسهم مرض ويحاولون النيل من قدرات الجيش العربي السوري وقرارات قياداته، والأقلية هي من بعض الوطنيين المتحمسين الذين يعتقدون أنهم بمطالبتهم بالرد يدافعون عن الوطن أو صورته.
كان الأسبوع الماضي مؤلماً، وكم مرت على سورية أسابيع مؤلمة من ريف اللاذقية، إلى ريف دير الزور، إلى شهداء حمص وحي الزهراء، ومعاناة كفريا والفوعة، مجلد يختلط فيه المجد بالألم، لكن الألم في هذه المرة كان بنكهة خاصة، فالانتصارات المتتالية للجيش العربي السوري، وإحباطه لكل المؤامرات والمشاريع، جعلتنا نطرب، فغفلنا للحظة أنها الحرب، وأنها «قد تثقل القلب»، لذلك جاء استهداف طائرة السوخوي فوق صيدا الجولان، والمجزرة التي ارتكبها «داعش» في محافظة السويداء، ليحملا ألماً مضاعفاً.
لكننا الآن وبعد أن هدأت النفوس قليلاً، نستطيع أن نسأل: لماذا تقصف «إسرائيل» مواقع جيشنا؟ لماذا تسقط طائرة تدك معاقل الإرهابيين، وهي تعلم أن الاستفزازات المستمرة تثقل الحساب، وأن رد محور المقاومة آتٍ لا محالة، فلماذا المجازفة الإسرائيلية برد سريع دفاعاً عن «قضية» يعلم الجميع أنها «قضية» خاسرة، وأقصد إرهابيي «جبهة الجنوب»؟ ولماذا تتعجل أمريكا إطلاق عملية تمشيط للبادية الشرقية، ستنتهي حتما بإجلاء جنودها عن قاعدة التنف، مدحورين وليس باتفاق حفظ ماء الوجه كما تشتهي؟
لنعود إلى البدايات، يوم انطلقت المؤامرة على سورية وتورط فيها القاصي والداني، كانوا يأملون أن تنجح مؤامرتهم بسرعة، لكن صمود الشعب والجيش والقيادة في سورية أحبط سعيهم، وها نحن اليوم على أعتاب إعلان النصر النهائي. كنا طوال سبع سنوات ونيف نخوض حرباً بكل ما في الكلمة من معنى، وبعد كل إنجاز يحققه الجيش العربي السوري كان معسكر العدوان يستنفر قواه، ويحاول الرد، قصفوا سورية بعد تحرير القصير، وفي معركة تحرير حلب، وتدمر، ودير الزور والغوطة. لقد كانت سورية دائماً في موقع الفعل، وكان معسكر العدوان في موقع رد الفعل. وكانوا في كل مرة يرسمون لنا «خطوطاً حمراء وصفراء وخضراء»، لكن جيشنا العربي السوري كان يحطم كل الخطوط ويمضي واثقاً نحو النصر، هم من كانوا يسعون للرد على تقدمنا وانتصاراتنا، فهزيمة الأدوات، تعني هزيمة مشغلها، وهزيمة المشروع تعني هزيمة صاحبه.
لماذا تُسقط «إسرائيل» طائرة سورية؟ لو سلمنا بالرواية «الإسرائيلية» التي تتحدث عن «اختراق الطائرة للمجال الجوي الفلسطيني لمسافة 2 كيلو متر»، وهذا أمر ممكن، لماذا لم يصدر تنبيه للطيار بشكل مباشر أو غير مباشر؟ الجواب أكثر بساطة مما يعتقد الكثيرون.. فـ«إسرائيل» تعلم علم اليقين أن الخطر الوحيد الذي تتعرض له يأتي من سورية، وأن الدولة العربية الوحيدة التي لم تنظر يوماً إلى «إسرائيل» إلا كعدو هي سورية، وأن الزعيم العربي الوحيد الذي يعلن نيته تحرير أراضي العرب بالقوة هو الرئيس بشار الأسد. لهذا كله تشخص العيون «الإسرائيلية» نحو سورية، ويبقى الإصبع «الإسرائيلي» على الزناد عندما يتعلق الأمر بسورية، لذلك هم من يشعرون بالتهديد، وهم من يشعرون بالحاجة للرد، لأنهم هم، من يتلقون الهزائم.
خبر آخر لم يحظ بالتغطية الإعلامية الكافية، يتعلق بفشل منظومة صواريخ «مقلاع داود» بالتصدي لصاروخين أطلقا من الأراضي السورية باتجاه مواقع إسرائيلية في الجولان السوري المحتل. لاحقاً قالت بعض وسائل الإعلام إن الجيش «الإسرائيلي» يبحث عن صاروخ يُعتقد أنه استقر في بحيرة طبريا، مَنْ أطلق هذه الصواريخ؟ ما أهدافها؟ ما عواقب فشل منظومة «مقلاع داود»؟
استمر الجيش العربي السوري في تقدمه، فوجد حلف العدوان أنه مطالب برد أكثر قسوة ليفرض نفسه على أي معادلة مستقبلية في سورية، الرد هذه المرة جاء من الشرق ومن قاعدة التنف بالتحديد. تحركت قطعان الإرهابيين بشكل متزامن باتجاه ريف السويداء الشرقي ونفذت مجموعة من الأعمال الإرهابية في ريف المحافظة، مع سلسلة من التفجيرات الانتحارية داخل المدينة، هذا التزامن يظهر للمراقب البسيط أن هذه المجموعات التي تحركت مسافة تزيد على الـ100 كيلو متر، حصلت على دعم لوجستي واستخباراتي متقدم، مكنها على الأقل من حجب الاتصالات فيما بينها عن أجهزة الرصد التابعة للجيش العربي السوري، كلنا يعرف من أين يمكن أن تأتي مثل هذه التقنية، ومن يمتلكها في البادية الشرقية؟ إنها الجهات نفسها التي أجلت إرهابيي «الخوذ البيضاء» قبل أيام، والجهات نفسها التي تفرض مجالاً حيوياً لطيرانها داخل الأراضي السورية، والمقصود هنا الولايات المتحدة الأمريكية و«إسرائيل».
السؤال الذي قد يطرحه البعض، يتعلق بالأهداف المتوخاة من هذه العملية ومثيلاتها، فالجيش العربي السوري حسم المعركة العسكرية بشكل شبه نهائي، والحديث عن إشغال الجيش عن التوجه إلى إدلب ليس منطقياً، وحتى لو صحَّ فسيكون مؤقتاً، لأن القرار السيادي السوري اتخذ، وتحرير كامل الأراضي السورية من كل أشكال الاحتلال مسألة وقت طال أم قصر، أستطيع القول، وبثقة متناهية، إن كل ما تفعله العصابات الإرهابية منذ مطلع 2018 لا يتجاوز في أهدافه تحسين مواقع مشغليهم في أي مفاوضات إقليمية أو دولية، لقد أدرك المشغلون أنهم هُزموا واستسلموا لهذه الهزيمة عندما تركوا عصاباتهم تباد في كل بقعة من سورية، وعندما أجلوا عملاءهم، «بخوذهم البيضاء» وقصصهم السوداء، لم يبق أمام حلف العدوان إلا هجمات محدودة الأثر على موقع هنا ومركز أبحاث هناك، أو تفجير انتحاري هنا، وتلفيق قصة هناك، وغايتهم استعمال هذه الأحداث للتفاوض على وجودهم في سورية أو على بعض المكاسب في المستقبل.
لكنّ أبطالاً مثل العقيد الشهيد الطيار عمران مرعي، والمقاتل البطل يامن عاصي الذي دفع حياته ثمناً لمنع أحد الإرهابيين من تفجير نفسه، يقدمون الرد السوري المناسب، يعيدون كتابة الأسطورة السورية، كما فعل آلاف الشهداء قبلهم، من ريف اللاذقية إلى حلب ودير الزور وكفريا والفوعة، من علي خزام إلى عصام زهر الدين إلى يحيى الشغري إلى يارا صالح، هؤلاء الأبطال يصفعون قوى العدوان بالحقيقة كما هي على الأرض؛ أرض سورية للسوريين، لا يتراجعون، لا ينهزمون، وكل أوراق اللعبة في أيدي السوريين، والمستقبل لنا، لأننا، شئتم أم أبيتم… قد انتصرنا.

*كاتب من الأردن

::طباعة::