«الرسكلة» أو إعادة تدوير النفايات ليست بالعملية الغريبة عن ثقافة السوريين، فقد كانت، ومنذ عقود سالفة، حاضرة في الشارع السوري من خلال الباعة الجوالين، الذين يتسوّقون بضاعتهم من سكان الأحياء بعد أن ينادوا عليهم:
«من لديه ألمنيوم للبيع.. بطاريات عتيقة، «شحاطات» عتيقة للبيع؟»..
فكل ما هو عتيق في نظر أصحابه، لابد من أنه سيكون ذا فائدة لتجار آخرين، كما هي الحال تماماً مع أصحاب «الطرابيش/الخوذ البيضاء».
فـ«الطرابيش البيضاء» كما «الشحاطات العتيقة»، بات تجّار الدّم ينادون ببيعها بعد أن انتهى دورها في الحرب على سورية، وبات لزاماً على الدول العدوانية المشغّلة تحريك تلك «الطرابيش» التي تمّ تأهيلها وتصنيعها حسب أجندات غربية، لتكون منظمة استخباراتية تنتحل صفة إنسانية، وواجهة «لإنقاذ المدنيين»، حسب زعمهم، بينما هي لم تقم بأي عمل أبيض، ولم تظهر في أي مكان تعرّض فيه السوريون لعشرات آلاف الهجمات والقصف من الأمريكان، لا في الرقة ولا في حلب وأريافها ولا في المناطق التي قصفها الأتراك، أو التي تعرضت لقذائف الهاون (حلب، دمشق، اللاذقية، حمص، درعا)، بل كانت تلك «الطرابيش»، ومنذ بداية ظهورها عام 2013، ضمن مخطط مرسوم بعناية فائقة للتدخل العسكري الخارجي ضد سورية، ولنصرة الإرهابيين من خلال تلفيق الأدلّة والصور و«الشواهد»، لتشنّ قوى العدوان عملياتها الإجرامية.
بونسومبي السياسي البريطاني الجنسية، المناهض للعنف، وضع في كتابه «التزييف في زمن الحرب» عشر قواعد يشرح فيها كَذِب الدول المعتدية، ليس على ضحاياها فقط، بل على شعوبها أيضاً لتسويغ حربها، منها:
ـ «غاياتنا نبيلة وإنسانية».
ـ «العدو يرتكب جرائم عن سابق إصرار وتصميم، أما أخطاؤنا فهي خارجة عن إرادتنا».
ـ «العدو يستخدم الأسلحة المحظورة».
ولتحقيق ذلك، كان لابد للقوى المعتدية وأجهزتها الاستخباراتية، الغربية والإسرائيلية، من ترتيب وتنفيذ الأعمال الإرهابية، وإدارة التنظيمات الإجرامية التي لم تكن فيها منظمة «الخوذ البيضاء» الأداة الوحيدة، بل تمّ التواطؤ مع كبريات المنظمات الدولية، وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة، فجاءت تقاريرها ملفّقة، تخدم المناطق التي يوجد فيها الإرهابيون حصرياً، بينما تقوم منظمة «الخوذ البيضاء» بتحضير الهدف مسرح العمليات، ليتم الإعلان عن «استخدام» الأسلحة الكيميائية، ولتعقد بعدها عشرات الجلسات الأممية بناء على صور وفيديوهات قامت «الطرابيش» المأجورة بافتعالها، وبناء عليها تم العدوان الثلاثي (الأمريكي- البريطاني- الفرنسي)، ليكون تدخّلهم واضحاً في مساعدة الوكلاء في الحرب على سورية.
اليوم، وسَمْتُ الميدان السوري يعنون المعركة بأن الجيش العربي السوري على وشك الانتهاء من تحرير جنوب البلاد من الإرهابيين، لتكون الوجهة التالية محافظة إدلب، كان لابدّ للدول المعتدية من أن تشعر بالفزع، وتقوم بالحركة الاستباقية لإجلاء أزلامها «الخوذ البيضاء»، حيث جاء إعلان الكيان الصهيوني أنه نفذ عملية إجلائهم وعائلاتهم عبر أراضي فلسطين المحتلة، بناء على طلب من واشنطن وكندا ودول أوروبية، وماثلت الأردن فعل الكيان الصهيوني، وأذِنت بمرورهم تحت تنسيق أممي، وعبورهم فيما بعد إلى دول غربية لتوطينهم فيها، طبعاً حسب مزاعمهم، إذ ترتفع أصوات أخرى تقول إنهم سيصلون لمناطق مجهولة، وهناك ستتم تصفيتهم قبل أن يفشوا ما لديهم من معلومات، حسب مقال غيفورغ ميرزايان تحت عنوان: «إنهم يعرفون الكثير»، فالدور الشكلي المنصوص عليه لأعمال «الخوذ البيضاء» اليوم، بحصاده الصفري، وأمام انتصارات الجيش العربي السوري وحلفائه، أجبر الدول المشغّلة على عملية «رسكلة» وإعادة تدوير لأدواتها، التي سيتم القضاء على من تبقى منها، مثلهم كمثل الإرهابيين الذين لن نتوانى عن سحقهم، ولتكون «طرابيشهم البيضاء» في مقدمة نعوشهم، في إشارة عسكرية سورية يتم فيها فتح باب العزاء لمشغليهم، فلا رحمة على أرواحهم وهم يحزنون.
m.albairak@gmail.com

::طباعة::