«بناء على طلب عدد من الدول الأعضاء، بما فيها المملكة المتحدة، وكندا وألمانيا، وبموافقة من الحكومة الأردنية، استقبلت الأمم المتحدة 422 مواطناً سورياً من جنوب سورية، وهم مواطنون كانوا معرضين للخطر ومحتاجين لملجأ وحلول من الدول المذكورة آنفاً» كان هذا مطلع بيان الأمم المتحدة بشأن الضجة – الفضيحة المرتبطة بنقل أفراد ما عرف بالخوذ البيضاء من جنوب سورية إلى الأردن عبر «إسرائيل».
قبل هذا البيان صرّح الناطق باسم الخارجية الأردنية «محمد الكايد» أن بلاده وافقت على استقبال 800 من اللاجئين المدنيين السوريين، لأسباب إنسانية بحتة، وكانت إذاعة الجيش الإسرائيلي قد أكدت أن هؤلاء اللاجئين مروا عبر «إسرائيل» باتجاه الأردن، وهو الأمر الذي عاد رئيس الوزراء بنيامين نتينياهو لتأكيده، وأضاف أن «إسرائيل» قامت بهذه المهمة بناء على طلب العديد من رؤساء الدول. مَنْ هم هؤلاء المدنيون الذين يتحرك من أجلهم رؤساء الدول؟ ما الفرق بينهم وبين مدنيين سوريين آخرين؟ «إسرائيل» والأردن وألمانيا تتحدث عن 800 شخص، والأمم المتحدة تتحدث عن 422 فأين ذهب البقية؟.. بالعودة إلى بيان الأمم المتحدة، نجد إشارة إلى التعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين UNHCR، وكما هو معروف فإن المفوضية لا تتعامل مع العسكريين أو من هم بحكمهم، لذلك يصبح من السهل الاستنتاج أن الأشخاص الـ378 الباقين هم بتصنيف الأمم المتحدة والدولة المستقبلة (الأردن) ودول التوطين النهائية (كندا، بريطانيا، ألمانيا)، من العسكريين أو المتورطين بأعمال عسكرية.. بهذا الاستنتاج الأولي البسيط تسقط رواية العمل الإنساني، ويتأكد ما أشارت إليه الدولة السورية والعديد من التقارير الإعلامية، أن الخوذ البيضاء كانت جزءاً فعالاً من العمل العسكري للعصابات الإرهابية، وأنها لعبت دوراً استخباراتياً بامتياز، سواء من خلال نقل المعلومات إلى العدو، أو فبركة المعلومات في الداخل السوري.
نستطيع أيضاً الافتراض أن الأشخاص الـ378 كانوا أعضاء في أجهزة مخابرات عربية، أو منظمات دولية غير حكومية مثل الجمعية الطبية السورية- الأمريكية SAMS، التي عرضت التقارير الإخبارية الكثير من المواد التي تحمل شعارها بعد العثور عليها في مقار ومستشفيات تابعة للإرهابيين في غوطة دمشق، وفي الجنوب السوري، علماً أن الجمعية تمتلك مكتباً في عمان، ومازالت تصدر موقعها الإلكتروني بعبارة «ادعموا جهودنا في درعا»، لكن السؤال يبقى: لماذا أخرجوهم عن طريق «إسرائيل»؟ لماذا لم يخرجوهم عن طريق الحدود الأردنية مع سورية ووفروا الإحراج على السلطات الأردنية؟
منذ بداية العملية العسكرية في الجنوب، حاولت الكثير من القنوات التابعة لحلف العدوان مدعومة بتسريبات من أوساط رسمية عربية أجنبية، التقليل من أهمية النصر الحاسم والسريع الذي حققه الجيش العربي السوري على جبهة الجنوب، بعد فشل المسرحية الإنسانية التي تحدثت عن مئات آلاف المهاجرين على الحدود الأردنية، وهي المسرحية التي شارك بها الأمين العام أنتونيو غوتيرس نفسه عندما تحدث عن 325 ألف لاجئ سوري، وعادت الأمم المتحدة بعد أقل من أسبوع للحديث عن 200 لاجئ لاغير. جاء سيناريو آخر بُني على الحديث عن اتفاق روسي- أمريكي (أردني– إسرائيلي)، مكّن الجيش العربي السوري من التقدم، مع انسحاب المقاتلين إلى إدلب، أو تحقيق المصالحات على الأرض، وهنا يبرز السؤال: مادامت الأمور معدّة مسبقاً لماذا لم يخرج أفراد الخوذ البيضاء إلى الأردن عبر الحدود الجنوبية، أو عبر قاعدة التنف؟، وإذا كانوا من السوريين المدنيين لماذا لم يخرجوا إلى إدلب ومنها إلى تركيا وأوروبا؟ لماذا كُشفت أوراق التعاون ما بين الخوذ البيضاء و«إسرائيل»؟
السيناريو الوحيد المقبول، أن هذه العصابات المرتبطة بالمسلحين تفاجأت بالتقدم السريع لقوات الجيش العربي السوري، وأنها فقدت التواصل مع مشغليها في غرفة «الموك» لفترة بسبب الفوضى التي سادت صفوف المسلحين، وأنها فقدت خطوط دعمها اللوجيستي فاضطرت للانسحاب غرباً مع تقدم قوات الجيش العربي السوري، حتى وصلت إلى الحدود مع الجولان المحتل، وعندما استعادت اتصالاتها بقيادتها، وتبينت استحالة نقلها عن أي طريق آخر، بعد أن أحكم الجيش العربي السوري سيطرته على معظم المناطق الحدودية، طلبت الدول التي يعمل هؤلاء «الإنسانيون» مع أجهزة مخابراتها، من بنيامين نتنياهو تنفيذ عملية إجلائهم بالتعاون مع الأمم المتحدة والأردن. لم يكن من المسموح سقوط أي فرد من هذه المجموعات بيد الجيش العربي السوري، لأن ذلك سيفضح الكثير من الأسرار والمعلومات الاستخباراتية، وهذا الخطر يستحق المجازفة، لكن هل يعقل أن تتورط الأمم المتحدة في مثل هذا السيناريو؟
يقول التاريخ: إن كل الساحات التي تدخلت فيها الأمم المتحدة، شهدت حالات فساد وتآمر وجرائم يندى لها الجبين، من تجارة الرقيق الأبيض في يوغسلافيا السابقة، إلى التواطؤ في مجازر سربرنيتشا، وكيغالي، إلى تشجيع الدعارة عند المراهقات في سيراليون، وشاهد العالم الفيديو الذي صورته القوات الدولية (الأندوف) للكمين الذي نصبه الإرهابيون لدورية عسكرية للجيش العربي السوري في الجولان، ما أدى لاستشهاد عدد من الجنود، من دون أن تطلق أي نوع من التحذير أو التنبيه لإنقاذ حياة الجنود الذين كانوا يقومون بعملهم الروتيني على الحد الفاصل في منطقة الجولان. لذلك لا نستغرب تورط الأمم المتحدة في هذا السيناريو، بل قد نستغرب لو لم تفعل ذلك… لكي نفهم الأحداث علينا الاستمرار في طرح الأسئلة: لماذا لم نسمع عن إخلاء أو نقل الخوذ البيضاء في أي من المعارك الكبرى السابقة؟ الحديث هنا عن حلب، ودير الزور، والغوطة؟. لماذا يتم اليوم الإعلان عن هذه العملية، في حين كان يمكن تنفيذها بصمت وسرية مثل الكثير من العمليات التي نفذت سابقاً؟ علينا أن نتذكر صور عملاء أمريكا في فييتنام وكوبا التي وصلت إلى الإعلام عند الإعلان عن هزيمة الولايات المتحدة الأميركية. بالتأكيد كانت هناك الكثير من عمليات الإجلاء السرية للعملاء، لكن تلك الصور التي وصلت إلى الإعلام، كانت إعلاناً نهائياً عن الهزيمة. هل نستطيع القياس على هذه الأحداث والقول: إن الإعلان عن عملية إجلاء عملاء أمريكا و«إسرائيل» تعبير عن الاعتراف بالهزيمة، ورسالة إلى بقية العملاء بلسان عربي فصيح تقول «انج سعد فقد هلك سعيد»؟

* كاتب من الأردن

::طباعة::