إلى أي حدّ قد نكون موضوعيين في حقل يفرض أن يكون دارس الإنسان هو الإنسان؟
في حالة الاستبطان قد يبدو الأمر طبيعياً، من باب «اعرف نفسك بنفسك»، لكننا هنا أمام أنساق اجتماعية وثقافة تمثّل طبيعة أخرى عن تلك الطبيعة الأولى التي نشترك في ميولها مثل حملان وديعة.. لا تضعنا الأنثربولوجيا أمام وجه واحد من اللاموضوعية بل أمام لاموضوعية مزدوجة.. المسافة بين الدارس والمدروس.. المسافة بين المجتمعات التاريخية والبدائية، حسب الاصطلاح التقليدي للتصنيف.. إنّ المسافة الأولى مستحيلة الحلّ، لأنّه في نهاية المطاف نحن أمام شكل من التّحيّز إمّا لإنسانيتنا وإما لتفوّقنا.. يكمن التحدي في سلطة الكتابة وسلطة التاريخ.. حين قضم شلايرماخر- وتبعا لذلك هيدغر- الفجوة الزمنية لتأمّل الظاهرات، كان يسعى وهو داخل هذا المزاج الأنطولوجي للميتافيزيقيا الغربية في لحظة استيقاظها إلى أن يلغي سلطة الزمن والتاريخ.. المساحات التي تتمرّد على المكتوب والزمن في أنساقنا الجماعية المعاصرة ألا تقتضي عناية أنثربولوجية؟ أعني أيضا أساطيرنا التي تشغل الحيّز الأكبر في النسق التواصلي المعاصر.. أعني دور الخطابة وتراجع العناية بالوثيقة.. التحول في نظام التدليل..ألا نتطور في زمنية دائرية؟
بالنسبة لشلايرماخر هناك شيء أساس يتعلق بدور اللغة في الفهم ودور النسق الذهني في اللغة.. من هنا أمكن القول: إن اللغة مأوى الوجود، وأيضاً الذهن مأوى اللغة نفسها.. إن كان دلتاي بالفعل قد نسب إلى شلايرماخر فكرة التقمص، فإنّ ذلك ستكون له فائدة مهمة.. فإذا أضفنا أنّ اللغة غير مستقرة لأن الذهن في حالة تطور مستمر وأنّ الفهم مرتبط بالكلام وهو يمثل لحظة من لحظات تاريخ وعينا، فكيف يا ترى نعاند لنمنح نسقنا المعاصر كل هذه المكتسبات التي ننزعها عن مجتمع بدائي نرضي فيه غرور تقدمنا؟ نسحقه تاريخياً ونداعبه أنثربولوجيا؟
لا يمكن للفهم أن يتخلّص من العالم الذهني لصاحب النّص..ستحضر دهشة ليفي ستراوس في مشهد المرأة الباكستانية المسلمة أثناء السفر بالقطار، تظهر الغرابة على ماسح قبائل أمريكا الشمالية فجأة كما في المدارات الحزينة بمجرد ما تستفز صورة المسلمة ذهنية ليفي ستراوس..هذه تذكرني بحكاية الشّريف الأمريكي الذي يناصر الهنود الحمر ضدّ الخطر الإسلامي، وكأن المسلمين هم من أبادوا قبائلهم واحتلوا قارتهم..هذه الرؤية الأنتربولوجية التي تبدو محاولة أمريكية للإبقاء على مجتمع الهنود الحمر في حالة من البكم التاريخي وإخراجهم بوسائل ناعمة من التاريخ وسلطة الكتابة وتصنيفهم في حقل يستبعد الوثيقة والتّاريخ..
وجد ليفي ستراوس مراده في هذا الحقل الذي كان فيه متأثراً بالأنثربولوجية الأمريكية ولاسيما عند بواز.. إنّني أعتقد أنّه ليس فقط توسيع مجال حقل الأنتربولوجيا لكي يشمل حقل ما كان غورفيتش قد أطلق عليه المجتمعات البروميتيوسية، بل يبدو لي أننا في حاجة إلى توسيع مجال زمن التّاريخ ليشمل المجتمعات البدائية حسب التصنيف المذكور.. تناقضات انتربولوجيا ليفي ستراوس لا تقلّ عن تناقضات العقل الأمريكي على الرغم من أنها سوّقت رؤية أمريكية برشاقة فرنسية كما هي دائما العادة، تبدو بمنزلة ثورة على الأنثربولوجيا التقليدية التي اكتفت بالوصف والحكم من دون نزول إلى الميدان.. إنه بالفعل عقل «آبي» للتاريخ، يريد أن يبعد نفسه وينسي ضحيته استحقاق العدالة التاريخية.. فمقتضى العدالة الأمريكية هي نفسها خاضعة للمنطق التداولي والحجاجي لفعل الكلام الذي يختزل الأنطولوجيا البشرية في أولوية المصلحة القومية الأمريكية.. ساهمت الأنثربولوجيا إذاً، في ثوبها الجديد، في هذا السبات والاستقالة من التاريخ..
سنخوض في تأويل الأساطير المحلّية وفق منسوب من الفهم غير توثيقي وغير حاسم.. ولكننا سنفرض فهماً تعليلياً منطقياً على بنيات افترضنا أنها غير منطقية، فلا يكفي التركيز على البنية التناقضية للأسطورة بل على درجة الحسم في القراءة الذي يستمد مقوماته من صميم نظامنا الفكري ونسقنا المنطقي..
يقدّم جورج غورفيتش قراءة نقدية لا تعدم أهمية لليفي ستراوس.. بموجبها يدعو إلى تأجيل بحث الأطر المعرفية عن تلك المجتمعات والاكتفاء بما هو مضمون، أي المجتمع التاريخي البرومتيوسي.. بالنسبة إلى غورفيتش فإنّ الأنثربولوجيا بما فيها محاولات ليفي بوهل، لم تقف عند تمايزات تلك المجتمعات.. التمايز قائم في النمطين: المجتمعات البدائية والمجتمعات التاريخية..هذا ما جعله في نظر غورفيتش يُنزل النمطين إلى حدود الوحدة التبسيطية التي تدمج كل المجتمعات البدائية في نمط واحد.. ويرى غورفيتش أنّ ليفي ستراوس، وخلافاً لمحاولة ليفي بروهل، أمّنت الرجوع إلى ابتسارات القرن الثامن عشر، يظهر ذلك حسب عالم اجتماع المعرفة الذي يرى أن ليفي ستراوس تأخّر كثيراً للاعتراف بملهميه ومعلميه الأمريكيين حين اعترف أمام ملاحظات بول ريكور، واصفاً إيّاه بكانطي من دون ذات سامية، حيث سيعترف ليفي ستراوس في«المطهي والنيّئ» بصلته بالإشكالية الكانطية.. هذا الأمر في نظر غورفيتش لن ينفعه مادام الوعي المتسامي والتراث المتسامي أمرين في نظر كانط كما عند الجميع.. يرى غورفيتش أنّ الأنظمة المعرفية الخاصة بالمجتمعات الرأسمالية ليس لها أي علاقة بالأساطير التي اهتم بها ليفي ستراوس.. ويرى في ذلك شكلاً من الإسقاط حين يحاول ليفي ستراوس أن يؤكد في بنيات القرابة تأويلاً للزواج من داخل القبيلة نفسها حفاظاً على بكارة السلعة المتعلقة بالتبادل.. يسقط هنا ليفي ستراوس مفهوم السلعة الخاص ببنية الرأسمالية، الخطأ نفسه الذي وقع فيه رواد الاقتصاد السياسي الكلاسيكيون «مثل آدم سميث وهيوم» وهي أخطاء ندد بها روسو..فمشكلة ستراوس هي حين يعمل على التقريب بين الثقافة والطبيعة إلى حدود المطهي والنيّئ في مبالغة إطلاق عبارة جدل بينهما..هذا الجدل في نظر غورفيتش لا يوجد في أي مكان أفقر مما هو عليه في المطهي والنيّئ(انتهى تحليل غورفيتش).
ربما تأسست انتربولوجيا ليفي ستراوس في مرحلة – بالنظر إلى ملهميه الأمريكيين – بعد عصر الإبادة.. إنّنا قد نتجاوز الذاكرة لأنّها تاريخية، ويمكن حين نقرأ الأسطورة كرمز مقاوم للخداع التّأريخي أن نقف على تلك الذّاكرة بشكل أكثر حيوية مما تفعله الكتابة التّاريخية نفسها، ولكنها مع ليفي ستراوس ستتبخّر كما يتبخّر المطهي بعد مغادرته عصر الطبيعة النيئة.. بينما هذا لا يحجب دور الأنثربولوجيا في تكريس الاستعمار.. الملازمة التي لا تنتهي مهما حاولت الانثربولوجيا التخلص منها كما ذهب جرار ليكلرك..إنها حسب هذا الأخير وحينما تصبح أنثربولوجيا تطبيقية فلن يبقى لها من غرض سوى الاستعمار.
نحن لسنا أمام فعل التأريخ الثوري أو فعل أنثربولوجيا تنجز مهامها على أساس تصحيح مسارها، بل نحن أمام مؤسسة التأريخ ومؤسسة الأنثربولوجيا وجيش احتياطي من شغّيلة البحث العلمي الانتهازيين باسم الموضوعية.. تستند سلطة التحريف على رأسمال خيالي لحراسة حدود الاقتصاد السياسي والقانون الدولي والتشويش على الذّاكرة واختراق حتى الأساطير التي تمثّل الوجبة النيّئة التي يقرف منها التأريخ.. أحكام ليفي ستراوس التّاريخية هي في منظور الأنثربولوجيا أحكام قيمة غير موضوعية، لكن الأمريكان لا يؤمنون بالتّاريخ إلا حينما يريدون الغزو.. يقرؤون الأمم من وجهة نظر تاريخهم المهاجر معهم، لكن حين تنقرض الأمم تحلّ جنائزية الأنثربولوجيا للتخفيف من تأنيب الضمير.. فما يعجزون عن فعله بسلطة التاريخ يحاولون فعله بالأنتربولوجيا..هل أحدّثكم عن غزو العراق وعن برنامج التضاريس البشرية(Human terrain system) الذي خصص له البنتاغون غلافاً مالياً يقدر بـ 40 مليون دولار لتوظيف باحثين أونتربولوجيين أمريكيين يرافقون الجنود في العراق وأفغانستان يعلمونهم فنّ التواصل وإقناع المحلّي وتحويل الضحية إلى صديق أي التطبيع مع الاحتلال..ألم تكن وظيفة هؤلاء إذاً أن يجدوا حلاً لسؤال جورج بوش الابن: لماذا يكرهوننا؟ ونزع الحقد عن المحلّي تجاه المحتلّ وهو المحفّز الأخير للمقاومة؟ نعم، كان هناك جانب من المقاومة الذي يحاول أن ينتزع الأنثربولوجيا من الاستعمال الإمبريالي.. ففي الوقت الذي أطلق فيه برنامج التضاريس البشرية ظهرت وثيقة معارضة وقّعها 11 أنثروبولوجياً وشكّلت فضيحة للبقية، أحدهم وهو برايس عبّر عن ذلك قائلاً:«لسنا بالضرورة ضد العمل مع الجيش الأمريكي، ولكننا نرفض التورُّط في عمليات مكافحة التمرد أو في عمل يؤدي إلى انتهاك أخلاقيات إجراء البحوث، ونحن نناشد زملاءنا أن يقفوا إلى جانبنا في رفض استخدام الأنثروبولوجي لتحقيق مثل تلك الغايات».
لقد فهم هؤلاء أن الانثربولوجيا تستعمل هنا علاجاً ضدّ المقاومة..أي تدجين المحلّي.. كما تستعمل في مجال التطبيع.. كما استعملت فيما يعرف بـ«الربيع العربي» حيث نشط الكثير من مراكز أبحاث ممولة من الرجعية يصل مستوى النباهة والتمكن الأنثربولوجي فيها مستوى البرمجة العصبية اللغوية، كان الغرض منها تدجين المحلّي والكشف عن مضاد للنباهة وتحويله إلى كائن جماعي «مسرنم» يرى في الإمبريالية مخلّصاً ومصدراً للتمكين.. المعركة اليوم هي معركة الوعي.. وليست التقنية المستعملة في علوم الإنسان بأقلّ خطورة من التقنية المستعملة في مجال تكنولوجيا الحرب.. والأنثربولوجيا، حينما تصبح تطبيقية غرضها الاستعمار كما وصفها ليكلرك، فإنّها ستصبح مثل التّاريخ علماً إمبريالياً لتعطيل المقاومة.. وهنا يبدو أفضل وسيلة لمواجهة هذا الوضع هو إحداث ثورة من داخل التأريخ والأنثربولوجيا.. إنها مقاومة من داخل سهول ووديان ومرتفعات المعرفة، مقاومة تؤمّن ظهر المقاومة وتنزع أدوات العلم من بين براثن الإمبريالية وتمكّن الشعوب من خيار المقاومة..علينا إعادة تشكيل هذا الحقل وإعادة تأسيس مفاهيمه: ما اللحظات المستبعدة في تاريخ الإبادة.. لماذا يخضع المحلّي.. ما علاج الخضوع والتطبيع وميل الضحية للتعايش مع المحتلّ؟ من أجل أنثربولوجيا مقاومة تدرس الإنسان في حالة المقاومة.. وتوجد محفّزات ضدّ أحاسيس الهزيمة ومتلازمة ستوكهولم القاتلة للشعوب المحبطة.
الزيف يحصل في كل مستويات الأنثربولوجيا: الثقافية والاجتماعية والسياسية والدينية.. تنفتح مؤسساتنا غير المستقلّة وغير الحرّة على هذه الصناعة وتتحوّل إلى معدّي تقارير تسهّل احتواء العقليات.. العلم نفسه حين يصبح أداة للاستعباد يصبح جهلاّ بالفعل.. كما يتوسل الاستعمار بتقنيات علمية، فعلى المقاومة أن تتوسّل بتقنيات علمية..لا يستغني الاحتلال عن الأنثربولوجيا في سبيل إخضاع المحلّي.. إنّه يسعى للبحث عن الأعماق السحيقة لفعل النسيان والخضوع والقبول بالاستسلام.. تسعى أنثربولوجيا الاستعمار لإعادة تشكيل ماهية المحتلّ في القابلية للاستعباد والاستعمار.. ويمكن تطبيق ذلك على الأنثربولوجيا الجيوبوليتيكية التي تنتج تحت ضغط متلازمة ستوكهولم للمواقف واستراتيجيات القبول بالتطبيع على الأرضية نفسها التي تقوم عليها فكرة القبول بالآخر.. دخل الاستعمار في خانة الآخر وأصبحت المقاومة وفق هذه الأنثربولوجيا الجديدة مشكلة وعي وأخلاق، بينما تستمرّ المغالطة في إخضاع عقل المحلّي وروحه لهذا التمرين اليومي، لأنّ المقاومة في المبتدأ هي تعبير عن طبيعة أولى، لكن هذه البديهية يمكن تقويضها بسياسات الإخضاع الممنهج، وتقويض الطبيعة بالتطبيع.. للولايات الأمريكية تجربة طويلة في إخضاع المحلّي وعزله عن التّاريخ.. وهي تحاول ذلك وفق المنظور الأنثربولوجي نفسه.. وهي حينما تفشل الأنثربولوجيا في هذا الإخضاع تتساءل بغباء فائض القوّة: لماذا يكرهوننا؟ هذا يكلّفهم تعديلات دورية في الأطر المعرفية للاستعمار.

* كاتب من المغرب

::طباعة::