كانت سورية بالنسبة للزعيم جمال عبد الناصر قلب العروبة النابض, وكان الرجل يدرك أهميتها بالنسبة للأمن القومي المصري خصوصاً والعربي عموماً, وعندما جاءت فرصة الوحدة، وعلى الرغم من عدم نضجها، إلا أنه لم يتردد لحظة واحدة لعقدها وإعلانها, ولم يبن جمال عبد الناصر موقفه من سورية على أسس عاطفية, إنما بناه بعد قراءة واعية لحقائق التاريخ والجغرافيا والثقافة المشتركة بين البلدين, فأدرك بحسه الوطني والقومي أننا بلد واحد وتاريخ واحد ومصير مشترك واحد, لذلك أعلن الجمهورية العربية المتحدة بإقليميها الشمالي والجنوبي, وبجيوشها الثلاثة الميدانية الجيش الأول في الإقليم الشمالي (سورية) والجيشان الثاني والثالث في الإقليم الجنوبي (مصر), أملاً في أن تكون نواة حقيقية لوطن عربي موحد يستطيع أن يقف في مواجهة القوى الاستعمارية الكبرى في العالم.. وعلى الرغم من الفرحة العارمة لأبناء الإقليمين بهذه الوحدة إلا أن هذه الفرحة لم تدم طويلا, فمنذ اللحظة الأولى بدأت عمليات التآمر على مشروع الوحدة, وبالطبع كانت القوى الاستعمارية القديمة (بريطانيا وفرنسا) والقوى الاستعمارية الجديدة (الولايات المتحدة الأمريكية و«إسرائيل») في مقدمة من سعي إلى إجهاض المشروع الوليد، وقاموا باستخدام كل الوسائل القذرة عبر أدواتهم الخائنة والعميلة في داخل الإقليمين, إلى جانب استخدام الرجعية العربية الخائنة والعميلة تاريخياً التي عملت بكل قوة ودفعت أموالاً طائلة للإطاحة بحلم جمال عبد الناصر, وعلى الرغم من نجاح مشروع التقسيم والتفتيت إلا أن حلم الوحدة المصرية – السورية ظل باقياً في عقل وقلب جمال عبد الناصر حتى يوم وفاته, فرغم الانفصال ظلت مصر هي الجمهورية العربية المتحدة, وظل جيشها الأول هو الجيش العربي السوري, وظل علمها هو علم الوحدة ذو النجمتين الأولى لسورية الإقليم الشمالي والثانية لمصر الإقليم الجنوبي, وهو العلم الذي شُيِّع فيه جمال عبد الناصر يوم وفاته, لتشهد جنازته أنه ظل وفياً لسورية والوحدة حتى آخر لحظة في عمره. وبرحيل جمال عبد الناصر جرت في النهر مياه كثيرة وتمكنت القوى الاستعمارية الجديدة من فرض مشروعها التقسيمي والتفتيتي على الجميع داخل الأمة العربية باستثناء سورية العربية التي أطلق عليها الزعيم جمال عبد الناصر صفة قلب العروبة النابض، فبصعود القائد المؤسس حافظ الأسد لسدة الحكم قرر أن يستكمل مسيرة جمال عبد الناصر ويتبنى حلمه في الوحدة العربية, فبقي علم الوحدة ذو النجمتين هو العلم السوري, وظل المكون العربي جزءاً لا يتجزأ من كل مؤسسات الدولة السورية, فالدولة هي الجمهورية العربية السورية, والشعب هو الشعب العربي السوري, والجيش هو الجيش العربي السوري, وهكذا لكل مؤسسات الدولة, ولم يكتف القائد المؤسس حافظ الأسد بالمسميات فقط بل ترجم ذلك واقعياً عبر تحديه ووقوفه في وجه المشروع الاستعماري الغربي وعدم الرضوخ له. وفي وقت هرول الجميع لعقد اتفاقيات ومعاهدات سلام مذل مع العدو الصهيوني بداية بـ «كامب ديفيد» مروراً بـ «أوسلو» وصولاً لـ «وادي عربة», بقي هو الوحيد الذي يرفع راية المقاومة في وجه العدو الصهيوني ويحتضن المقاومة العربية الفلسطينية واللبنانية التي كبدت العدو خسائر باهظة وظلت خنجراً في خاصرته طوال الوقت, وعندما دخل القائد المؤسس في مفاوضات مع العدو الصهيوني أصرَّ على أن تكون مفاوضات عربية, ورغم الطعنات التي تلقاها بعقد أوسلو بشكل انفرادي, وعقد حسين بن طلال اتفاقية «وادي عربة» منفرداً ظل يفاوض بشراسة وحنكة فريدة مدة عشر سنوات وعندما شعر بقرب أجله أوقف المفاوضات مع العدو الذي كان قد قدم الكثير والكثير من التنازلات، وقال قولته الشهيرة : «من الأفضل أن أورث شعبي قضية يناضل من أجلها على أن أورثه سلاماً مذلاً», ورحل القائد المؤسس حافظ الأسد كما رحل جمال عبد الناصر والعروبة في عقله وقلبه.. وتأتي الذكرى السادسة والستون لثورة 23 يوليو 1952 ثورة جمال عبد الناصر وسورية التي وضعها جمال في عقله وقلبه تخوض حرباً كونية مع القوى الاستعمارية ذاتها صاحبة المشروع التقسيمي والتفتيتي والتي تآمرت على حلمه الوحدوي العربي, وفي الوقت الذي وقف الجميع في العالم العربي متفرجاً, قررت سورية قلب العروبة النابض أن تكون دائماً على العهد مع جمال عبد الناصر فوقفت منفردة تدافع ليس فقط عن ترابها الوطني ضد الهجمة البربرية الكونية التي استخدمت أقذر الأدوات, بل تدافع عن شرف وكرامة الأمة العربية كلها, وخلال هذه الحرب الكاشفة كان أبناء جمال عبد الناصر المخلصين فى مقدمة الصفوف دفاعاً عن سورية خط الدفاع الأول والأخير عن العروبة.
وخلال زيارتي لسورية قبل أيام من حلول ذكرى ثورة جمال عبد الناصر التي تحل في غمرة انتصارات جيشنا الأول الجيش العربي السوري, شاهدت وسمعت الجميع سواءً مواطنين أو مسؤولين يترحمون على الزعيم جمال عبد الناصر الذي كانت سورية دائماً في عقله وقلبه, ولسان حال الجميع يقول: لو كان جمال عبد الناصر موجوداً ما حاربت سورية منفردة, لكنّ عزاءهم الوحيد هو وجود الشرفاء من أبناء جمال عبد الناصر والمؤمنين بمشروعه الوحدوي العربي إلى جانب سورية, لذلك لابد من أن يعي كل من يرفع راية جمال عبد الناصر ويؤمن بثورته أن ناصريته ناقصة إن لم تكن سورية في عقله وقلبه, اللهم بلغت.. اللهم فاشهد.

كاتب من مصر

::طباعة::