عقدت قبل أيام قمة لحلف شمال الأطلسي «ناتو»، أقل ما يمكن أن توصف به أنها القمة الأكثر توتراً وخلافات في تاريخ هذه المنظمة الاستعمارية، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد استبق هذه القمة بـ «التحرش» بشركائه الأوروبيين، سواء من بوابة علاقتهم مع روسيا في مجال الطاقة، أو حثهم على المزيد من الإنفاق العسكري في إطار الحلف، أو الإمعان في تحريض بريطانيا على مغادرة الاتحاد الأوروبي، وانتقاد سياسات رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بهذا الاتجاه، الأمر الذي يعد مساساً بأوروبا من جهة، وتدخلاً فظاً في الشؤون الداخلية البريطانية، أما الدول الأوروبية فتنظر إلى رغبة ترامب بزيادة الإنفاق العسكري، على أنها استخدام لها كمخلب في المواجهة الأمريكية – الروسية، في الوقت الذي تعاني فيه أوروبا أزمات اقتصادية واجتماعية، وخاصة فيما يتعلق بموضوع اللاجئين، من دون أن تقدم الولايات المتحدة أي مساعدة في هذا المجال.
عبرت أوروبا بشكل صريح عن عدم رغبتها بزيادة إنفاقها العسكري، وحاول أمين عام حلف «ناتو» بيس ستولنبرغ طمأنة الروس، بإعلانه أن روسيا ليست المستهدفة من هذه السياسة وأن أوروبا لا ترى في روسيا خطراً عليها رغم «لجوئها إلى استعمال القوة ضد جيرانها» على حد قوله (الإشارة هنا إلى جورجيا 2008 وأوكرانيا 2014). لكن الحلف عاد ورضخ للمطالب الأمريكية بزيادة الإنفاق العسكري ليصبح في حده الأدنى 2% من الناتج القومي، وهو ما سيشكل ضغوطاً هائلة على اقتصاديات دول مثل إيطاليا واليونان وإسبانيا والبرتغال.
بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، فإن قمة «ناتو» مرتبطة بحبل سرّي مع قمة هلسنكي بين الرئيسين ترامب وبوتين، الأزمة الحقيقية التي تعانيها أمريكا، وربما للمرة الأولى في التاريخ، أنها تذهب إلى القمة من دون أوراق ضغط حقيقيةK فالسياسات الحمائية التي اعتمدها ترامب جعلت الغرب الواقع بين مطرقة أمريكا وسندان الصين، يتوجه أكثر وأكثر نحو روسيا وخاصة في مجالات الطاقة. كما أن الدول الأوروبية انحازت إلى الجانب الإيراني – الروسي في موضوع الاتفاق النووي، لكن الأهم هو الهزيمة التي تعرض لها المشروع الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط .
اعتقدت الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها، لوهلة، أن مخططها للمنطقة الذي حاولت إلباسه لباساً ثورياً تحت مسمى «الربيع العربي»، قد نجح بشكل فاق توقعاتها، لكن اصطدمت بالصخرة السورية، تحوَّل المخطط الذي كان يُعتقد أنه «سينجز خلال أشهر»، إلى حرب استنزاف، قام خلالها الجيش العربي السوري من خلال صموده الأسطوري بإفساح المجال أمام قوى إقليمية ودولية، للتقدم واستعادة دورها في السياسة العالمية، هذه القوى، حسب ترتيب أهميتها هي روسيا، والصين، وإيران، وفي الوقت نفسه بدأ دور حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين بالتراجع، ولعل تركيا هي الحليف الوحيد الذي ما زال له دور في الأحداث، في حين أنهت معركتا الغوطة الشرقية والجنوب دور كل من الأردن والسعودية و«إسرائيل».
الورقة الوحيدة التي حملها دونالد ترامب إلى قمة هلسنكي، بعد سبع سنوات من الحرب وتريليونات الدولارات التي صُرفت، هي – في اعتقادنا – ورقة ما يسمى «قوات سورية الديمقراطية – قسد». هذا السبب الذي دفع الكثير من المسؤولين الأمريكيين وأعضاء في الكونغرس إلى حث ترامب على تمويل هذه القوات وتدريبها، والعمل على استعادة ثقة الحلفاء على الأرض السورية. لكنَّ العسكريين يدركون أن قيمة هذه الورقة محدودة جداً، في ظل العداء الذي تحظى به «قسد» على طرفي الحدود، سورية وتركيا، وأن الأهمية الوحيدة لهذه الورقة هي مقايضتها بخروج «مشرف» للولايات المتحدة وقوات «ناتو» من سورية.
على الحدود الجنوبية، تشير كل الدلائل إلى أن ما يسمى «صفقة القرن»، التي أعدّها ترامب وكوشنر، تعاني معوقات خطرة، فمن جهة استعاد الجيش العربي السوري السيطرة على كامل الحدود، تقريباً، مع الأردن وفلسطين المحتلة، وتجاهلت سورية كل النداءات الإسرائيلية للعودة إلى اتفاق «فصل القوات» لعام 1974، وهو ما دفع نتنياهو إلى زيارة موسكو سعياً للحصول على ضمانات روسية بعدم تجاوز الجيش العربي السوري خط فصل القوات، ودخول المنطقة المنزوعة السلاح، والعودة إلى قواعد الاشتباك التي كانت تحكم جبهة الجولان قبل عام 2011.
في عمق الصورة يبدو الفشل السعودي – الإماراتي في تحقيق أي إنجاز في اليمن، بل خسارة معركة الحديدة بشكل مُذل، وكذلك الأزمة الاقتصادية في الأردن التي ستجعل أي خطوة غير محسوبة باتجاه «صفقة القرن»، فتيلاً يشعل الشارع الأردني الذي يعاني أزمة اقتصادية خانقة.
في هذا السياق كان لا بد من نقل المعركة إلى ساحة أخرى، فكانت الساحة الأوروبية حيث يحاول ترامب العودة إلى شروط الحرب الباردة، ووضع روسيا أمام خيارين: إما تقديم «تنازلات» مهمة في مجموعة ملفات أهمها، سورية وإيران والتحالف مع الصين، وإما الدخول في سباق تسلح داخل أوروبا يستنزف الاقتصاد الروسي، كما حدث مع الاقتصاد السوفييتي في السابق. وقد رأينا محاولة شن حرب جواسيس كما حدث في محاولة اغتيال الضابط الروسي (سيرغي سكريبال) في بريطانيا التي أدت إلى طرد مجموعة من الدبلوماسيين الروس من عدة دول أوروبية، والإعلان عن توجيه لوائح اتهام لضباط في الاستخبارات الروسية بتهمة «التدخل» في الانتخابات الأمريكية و«سرقة» معلومات مواطنين أمريكيين.
بالطبع لم تقف روسيا مكتوفة الأيدي، بل مارست ضغوطاً أكثر فعالية على حلف «ناتو»، سواء بتقديمها دعماً سياسياً وعسكرياً غير محدودين لعمليات الجيش العربي السوري في الجنوب السوري، أو باستقبال السيد علي أكبر ولايتي مستشار قائد الثورة الإسلامية الإيرانية السيد علي خامنئي للشؤون الدولية، والإعلان عن الدعم الروسي لإيران في ملف الاتفاق النووي، وكذلك نية روسيا استثمار 50 مليار دولار في قطاع الطاقة الإيراني، والإعلان عن قمة ثلاثية روسية – إيرانية – تركية، كل هذه الخطوات تعني موافقة ضمنية روسية على التهديد الإيراني بإغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط في حال منع إيران من تصدير نفطها.
العالم اليوم يعيد رسم الصورة التي كانت سائدة قبل تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1989. وقمة هلسنكي لن تكون «يالطا» جديدة يتم فيها تقاسم مناطق النفوذ في العالم، فالعالم الجديد آخذ بالتشكل، ولم يحسم شكله النهائي بعد، الاختلاف بالنسبة لنا، أننا في هذه المرة حاضرون على مائدة المصالح، فسورية التي كانت الحرب عليها وصمود جيشها وقيادتها وشعبها شرارة التغيير، ستمثل المصالح العربية في العالم الجديد، صحيح أن انحياز بعض العرب إلى المعسكر الإمبريالي يضعف الموقف العربي، لكن وجود محور المقاومة العربي ممثلاً بسورية يضمن أننا لن نجد أنفسنا أمام «سايكس -بيكو» أو «فرساي» جديدين.

* كاتب من الأردن

::طباعة::