واصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خطه التصعيدي ضد العالم، كل العالم، يرسم خرائطه بألوانه الصاخبة داخل الولايات المتحدة وخارجها، يحسب المنتجات السياسية بالأرقام، انسحابات متتالية من ارتباطات دولية، وإعادة تصميم علاقات سابقة مع البعيد والقريب، انسحب من اتفاق المناخ الدولي، من اليونيسكو، من منظمة حقوق الإنسان، والانسحاب الكبير من الاتفاق النووي مع إيران، قرر بناء جدار فصل على حدود جارته المكسيك، اصطدم بشركائه في مجموعة الدول السبع.
وأشعل معركة حلف الـ«ناتو» في موقعة بروكسل، اقتحم حصون الحلف الموما إليه من محاور عدة، أهمها رفع المساهمة من كل دولة إلى 4 في المئة من ناتجها القومي، مسوغاً أن بلاده تغطي أكثر من 72 في المئة من ميزانية الحلف، ولم يكتفِ بذلك فقد استخدم ألفاظاً غير لائقة عندما وصف رئيس الوزراء الكندي بأنه غير شريف وضعيف ووصف ميركل بأنها أسيرة لروسيا، وأن أوروبا باتت هرمة ويجب حجرها في دار المسنين.
الهواجس الأوروبية من مزاجية ترامب لخصها وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جون كيري حين قال: «إن ترامب يدمّر سمعتنا في العالم بشكل مطرد» وإنه لم يرَ رئيساً يقول شيئاً غريباً أو غير جاد مثل ترامب ضد الـ«ناتو» وألمانيا وفرنسا والصين، وكان الأمر مخزياً ومدمراً للمصالح الفعلية للولايات المتحدة الأمريكية.
حضر ترامب قمة «هلسنكي» -مع المنتشي بوتين- وهو في أسوأ حالاته فقد حاصرته المظاهرات الصاخبة في كل بقعة زارها في بريطانيا احتجاجاً على سياساته العنصرية المتغطرسة التي تقود العالم إلى حافة الهاوية، بينما خسر في الوقت نفسه ثقة معظم حلفائه الأوروبيين أثناء مشاركته في قمة «ناتو» الأخيرة، حيث تطاول عليهم وتعاطى معهم كتلاميذ صغار، و«عيّرهم» بالتنعم بالحماية الأمريكية مجاناً.
إذا كان القادة الأوروبيون يلتقون مع مواطنيهم على أرضية الكراهية لفوقية ترامب، ورفض غطرسته وتعاليه وعنصريته، فإن لقاءه بوتين أكثر صعوبة، فالرئيس بوتين يتسم بالذكاء الحاد وبرودة الأعصاب، ويتعاطى مع غريمه الأمريكي كشخص أحمق، وسمسار عقارات، و«زير نساء».. في حين يرتاح ترامب لشخص بوتين الزعيم الذي يمتلك كل القرار في بلاده، وهو يغبطه على ذلك، ويتمنى لو أن له بعض ما لبوتين من تلك القوة، ولهذا فهو، أي ترامب، لن يتردد في عقد صفقات اختراقية معه.. وهذا ما يزعج أوروبا.
قمة هلسنكي أصعب من الفوز بكأس العالم، هنا لا تكفي البراعة في المناورة، ولا التمريرات السريعة، ولا الضربات الركنية.
في الذاكرة، كان الرئيس الأمريكي في كل قمة مع «السوفييت» هو الخاسر.. كيندي خسر سباق الهيبة مع خروشوف في فيينا، وحتى النجم ريغان كان أقل بريقاً مع غورباتشوف في جنيف وفي قمة «هلسنكي» قطعاً ترامب هو المهزوم.

::طباعة::