لا أفق واضحة في مسار العلاقات الأمريكية – الأوروبية التي تتجه إلى مستويات منحدرة دون أن تسعفها أو تشفع لها عقود التحالف المتين سياسياً واقتصادياً، ففي عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كل شيء وارد مادام التاجر يتقن المساومة والابتزاز لتحصيل المزيد من المكاسب مهما كان الثمن.
إذاً، على هذه القاعدة يغدو حلفاء الأمس أعداء اليوم، وهو ما يرسخه مراراً ترامب الذي على ما يبدو لن يقف عند حد، لاعباً على المتناقضات وعلى جميع الحبال في آن, متخذاً من قاعدة «فرق تسد» أسلوباً ومنهجاً جديداً في علاقاته مع حلفائه الأطلسيين، صورة كرستها دعوة ترامب بريطانيا لمقاضاة الاتحاد الأوروبي وهو ما اعترفت به رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي في تصريحات لـ«بي بي سي» بقولها: «أبلغني ترامب أنه يجب علي مقاضاة الاتحاد الأوروبي بدل التفاوض معه».
شرخ واضح يحاول ترامب بثه بين الأوروبيين والغرض إضعاف الكتلة الاقتصادية الأوروبية القوية والتأثير على مبدأ الشراكة، والاتجاه فيما بعد إلى عقد صفقات تجارية ثنائية بين أمريكا وأي دولة أوروبية أخرى بعيداً عن الصفقات الجماعية التي لا تروق لترامب، أي تكوين علاقات بـ«المفرق» كما يقال في عاميتنا.
إصرار ترامب على نقل الأوروبيين من ضفة الحلفاء إلى ضفة الخصوم والمواجهة والتعامل بندية وتشتيت العلاقة فيما بينهم يعود ليؤكد ما تحدثت عنه وسائل إعلام مراراً عن سعي ترامب لتفكيك الاتحاد الأوروبي كونه تكتل تجاري منافس، فعقلية التاجر لدى ترامب تقوم على الفوقية وتنظر لما عداها بمستوى دوني –هذا ترامب-.
بات من البديهيات أن الضغط الذي يمارسه ترامب على الأوروبيين هو للتأثير على موقفهم بشأن الاتفاق النووي الإيراني والتأثير على الشركات الأوروبية العاملة في الداخل الإيراني وبالتالي التأثير على إيران بثقلها الدولي والإقليمي، ولكن في الوقت ذاته لم ينتبه ترامب إلى قضية جوهرية أساسية وهي أن سياساته تدفع الأوروبيين للنحو باتجاه خصوم أمريكا التقليديين كروسيا والصين، وبينما يعمد ترامب لتوسيع الشرخ بين الأوروبيين وموسكو وبكين نجد العكس في الإبحار الأوروبي نحو تشكيل جبهة أوراسية ضد ترامب بالاتجاه نحوهم إضافة إلى اليابان لتوطيد العلاقات التجارية أي الاتجاه نحو الشرق الآسيوي وهنا يسقط ترامب في شر أعماله، وربما يصح المثل القائل «على نفسها جنت براقش»-أي ترامب-، الذي يحفر عزلة بلاده بيديه وبشكل منظم.
لا يخفى أن الاتجاه الأوروبي نحو الشرق الآسيوي يخدم روسيا والصين كما يقدم فكرة مفادها الرغبة الأوروبية في الانعتاق من الهيمنة الأمريكية والذهاب لنسج علاقات وشراكات أوسع دون أن يعني ذلك الانفصال الأوروبي –الأمريكي بشكل نهائي -كما أكدنا مراراً-، أضف إلى ذلك وهو الأهم أنه اعتراف أوروبي غير مباشر بعالم متعدد الأقطاب وإقرار بروسيا والصين كقوى عظمى ذات أهمية وتأثير في العلاقات الدولية.
تحميل ترامب الأوروبيين المزيد من الأعباء كما كان في قمة الأطلسي الأخيرة بدعوتهم لزيادة الإنفاق العسكري إنما يزيد من الضغوط والتخبط لدى الساسة الأوروبيين ويباعد بين ضفتي الأطلسي وهو ما بدأت بوادره بالظهور عبر توجه الأوروبيين لبكين وطوكيو كما ذكرنا، ما يطرح تساؤلات عدة، إلى أي مدى يصمد الاتحاد الأوروبي؟، وما هي السبل التي سيتبعها في تعامله مع ترامب الذي يراكم التناقضات مع الحلفاء؟، وما مستقبل العلاقات الأمريكية – الأوروبية؟.. كلها تساؤلات مرهونة بإجابات المستقبل القريب

::طباعة::