«ما حدا بيقول عن زيته عكر», قالها جدي رحمه الله منذ سنوات طويلة عندما اكتشف أمر جاره الزيّات الذي اعتاد ألا يفتح «غلق» محله إلا بعد دهن رموشه وأسفل عينيه بزيت الزيتون، فبمجرد أن يقترب منه أحد الزبائن ليسأله إن كان الزيت أصلي حتى يقول: بعيوني زيت زيتون, وبقي على هذه الحال إلى أن فاحت فضيحة غشه في الحارة وابيضت عيناه بعد تكرار دخول الزيت في عينيه.
بينما ابتدع زيّات آخر في الحارة نفسها – وهو أكثر دهاء في الغش- حيلة مختلفة فقد كان يقوم بخلط ثلثين من زيت الزيتون بثلث من زيت الذرة «…», وعند سؤال أي زبون عن جودة الزيت يبتسم أبو سعيد قائلاً بثقة «ما فيه إلا العافية»
لكن وكما يقال: كله بكفة وصاحبة بسطة الجبنة المغشوشة بكفة أخرى… إلى اليوم لا أحد في الحارة يعلم كيف كان يطاوعها ضميرها باختلاق تلك الحيلة، فقد كانت تضع قلادة من البولاد في يدها تضغط عليها عند بدء أحدهم بسؤالها عن نوع الجبنة وتقول: «بولادي جبنة بلدية».
وعلى سيرة جدي والزيت العكر والغش.. كل شيء تطور واختلفت أساليب الاحتيال فيه، حتى الغش تغير ولم تعد «الأيمان» المغلَّظة تكفي الغشاش، فتفنن بابتكار فنون ساحرة وخلط مواد لا تخطر على بال من يشتريها قد تكون سامة وضارة بالصحة، لا يميزها إلا أهل المصلحة أنفسهم أو من يلجأ لتلك الأساليب, فأضافوا السبيداج والمواد المجمدة إلى اللبن وفي الحلاوة والمسبحة وضعوا البطاطا, وللجبنة أضافوا النشاء وحقنوا الفروج بالماء لزيادة وزنه, وخلطوا الملح الصخري بالرمل وصنعوا المحمرة من قشر الرمان, والزعتر من نشارة الخشب وقشور البزر, والقهوة من القضامة، وباعوا لحم القطط على أنه كباب, والبيض المنقوع بالشاي على أنه بلدي, والبازلاء على أنها فستق حلبي والمخفي أعظم، ولا يسعني في النهاية إلاّ أن أقول: الله يرحمك يا جدي ويرحم أيام جارك الغشاش.

print