سؤال مهم جداً فرض نفسه بعد إعلان الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» قرار انسحاب بلاده من الاتفاق النووي الموقّع مع إيران في 14/7/2015 وهو: هل هذا الانسحاب مجرد ورقة ضغط على إيران لتعديل مواقفها من المطالب الأمريكية الخاصة بتعديل هذا الاتفاق أو التوصل إلى «اتفاق تكميلي» يتجاوب مع هذه المطالب، أم أن هذا الانسحاب مقدمة لاستراتيجية مواجهة أمريكية جديدة ضد إيران قد تصل في ذورتها إلى حرب عبر المرور بمراحل تصعيدية تبدأ بالضغوط الاقتصادية المتشددة؟
وبعد عشرة أيام تحديداً، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في 18/5/2018 أن «مايك بومبيو» وزير الخارجية الأمريكية سيعلن ما سماها «خريطة طريق دبلوماسية» مشيرة إلى أن هذه الخريطة تأتي ضمن مساعٍ لبناء تحالف دولي ضد إيران.
هذا الكلام الغامض كشفت عنه سريعاً «هيدزناورت»، المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، عندما قالت: «إن الولايات المتحدة ستعمل بجد لبناء تحالف يجمع بلداناً كثيرة من حول العالم يكون هدفه مراقبة النظام الإيراني من خلال منظور أكثر واقعية، ليس من منظور الاتفاق النووي فقط، بل من خلال أنشطته المزعزعة للاستقرار في العالم».
ولم تتحدث «هيدز» صراحة عن البعد العسكري للحلف الجديد الذي تريده واشنطن ضد إيران، رغم أنها أشارت في حديثها إلى نموذج التحالف الدولي الذي أسسته واشنطن في العام 2014 لمحاربة التنظيم الإرهابي «داعش» في العراق وسورية، ويبدو من الدعوة لتشكيل هذا الحلف الجديد أن الهدف منه «وضع السكين» على رقبة إيران، ولن يركز على الاتفاق النووي مع إيران، بل على ما سمته «هيدز» «أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار في العالم» وليس في الشرق الأوسط وحده الأمر الذي يعني تحويل إيران إلى هدف يعمل العالم كله ضده!!
وجاءت المطالب الاثنا عشر «أو الأوامر والفرمانات» التي تضمنها خطاب «بومبيو» في 21/5/2018 لتؤكد التوجه الأمريكي لتأسيس تحالف دولي موسع يعمل ضد إيران بزعم أنها مصدر تهديد للأمن والسلام الدوليين.
من بين هذه المطالب /أربعة مطالب فقط/ تتعلق بالنزاع الأمريكي مع إيران وبقية المطالب /الثمانية/ ركزت على السياسة والسلوك الإيرانيين!..
في ضوء ذلك، وفي إطار هذه الأهداف الأمريكية، هل أوروبا مستعدة للانخراط مع واشنطن في تحالف هدفه «إسقاط النظام» في إيران، أو على الأقل شن حرب عسكرية أو اقتصادية عليه؟
تأتي أهمية هذا السؤال نظراً لعدة عوامل منها:
1- إن أوروبا قوة دولية كبرى في العالم.
2- هي الحليف الأهم للولايات المتحدة الأمريكية.
3- هي القوة الدولية التي تعطي للسياسات الخارجية الكثير من الشرعية أو الرحجان على الأقل.
4- لأنه من الصعب أن تؤسس واشنطن حلفاً دولياً له مهام عسكرية أو اقتصادية من دون مشاركة أوروبية فعالة.
5- لأن روسيا والصين ودول أخرى كثيرة لها علاقات مميزة مع إيران تعد خارج هذا التحالف الأمريكي المحتمل، حتى إن تركيا والهند رفضتا مؤخراً الدخول في أي تحالف مضاد لإيران، وربما تعلن دول أخرى، لها وزنها الدولي، اعتراضها أو ترددها في القبول بالسياسة الأمريكية هذه تجاه إيران، ولاسيما بعد انسحاب واشنطن من اتفاق له صفته الدولية، وهذا ما جعل المستشارة الألمانية «أنجيلا ميركل» تصف قرار واشنطن بالانسحاب من الاتفاق النووي الموقّع مع إيران بأنه «انتهاك للنظام الدولي».
الخلاصة: يُرجح العديد من المراقبين الدوليين ألا تنخرط أوروبا في أي تحالف أمريكي ضد إيران، بالرغم من الحرص الأوروبي المعروف على العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية بشكل دائم.
لقد حاولت الدول الأوروبية «ألمانيا وفرنسا وبريطانيا» حلّ أزمة الاتفاق النووي بين واشنطن وطهران، لكنها فشلت في ذلك، وعندما أعلن الرئيس الأمريكي انسحاب بلاده من هذا الاتفاق، رفضت أوروبا هذا الانسحاب الأمريكي وسعت للحيلولة دون انسحاب إيران منه، عبر تقديم تطمينات باستمرار العمل بالاتفاق من دون الولايات المتحدة على أمل التوصل مستقبلاً إلى حل للأزمة، لكن بعد إعلان وزير الخارجية الأمريكي «مايك بومبيو» عن مطالب واشنطن الاثني عشر، تصدى الأوروبيون بقوة لهذا التصعيد الأمريكي على لسان كبار المسؤولين في الاتحاد الأوروبي، ولاسيما «دفيدربكا موغيريني» مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد التي تصدت بقوة لخطاب الوزير الأمريكي، وأكدت أنه «ليس هناك بديل للاتفاق».

::طباعة::