منذ نشأة الكيان الصهيوني عام 1948 على يد الاستعمار الغربي أدركت «القيادة» الصهيونية وحليفها البريطاني – الفرنسي في سنوات الخمسينيات والستينيات أنها لا تستطيع في ظل مقاطعة الدول العربية لها والنقمة الطبيعية التي تحملها كل الشعوب العربية ضد اغتصابها فلسطين انتهاج سياسة خارجية علنية مع حكام الدول العربية والإسلامية وأمام الشعوب العربية الرافضة لكل أشكال التعامل مع هذا الكيان، ولذلك أعدت خططاً لتحقيق أهدافها في تهجير اليهود الى فلسطين وفي اختراق الصف العربي وتفتيت قدراته أطلقت عليها اسم «سياسة الدبلوماسية السرية» وقد احتلت هذه «الدبلوماسية السرية» بالاستعانة بدور وثقل حلفائها الاستعماريين أهمية رئيسة في جدول أعمال السياسة الخارجية الصهيونية حتى الآن.
ووجدت «القيادة» الإسرائيلية أن قابلية تطبيق هذه «الدبلوماسية السرية» مع عدد من الحكام والمسؤولين العرب خصوصاً من المتحالفين مع بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة متوافرة وسهلة خصوصاً في الخمسينيات وبداية الستينيات فحققت من خلالها تهجير يهود العراق حين كان العراق تحكمه عائلة الملك فيصل الذي عينته بريطانيا ملكاً عليه، وتكشف الوثائق الإسرائيلية والدولية أن الكيان الصهيوني استقبل في العملية التي أطلق عليها اسم «عيزرا ونحاميا» في عامي(1950- 1951) بموجب الوثائق البريطانية والإسرائيلية (125) ألفاً من اليهود العراقيين بموافقة من حكومة الملك فيصل الثاني ووضعت لهم الولايات المتحدة طائرات نقلتهم جميعاً من مطار بغداد إلى مطار اللد، وبلغ عدد يهود المملكة المغربية الذين تم تهجيرهم إلى الكيان الصهيوني 250 ألفاً منذ إعلان استقلال المغرب عام 1956 حتى عام 1964كانت آخر دفعة منهم هي 80 ألفاً في عهد الملك الحسن الثاني ما بين 1961 -1964  بموجب الوثائق الفرنسية والإسرائيلية، وإذا جمعنا مع هذه الأرقام  85 ألفاً من يهود ليبيا وتونس والجزائر الذين جرى تهجيرهم إلى «إسرائيل» خلال الفترة بين 1948 – 1956 سيصل الرقم إلى 460 ألفاً حتى بداية عام 1961 ما يعني أن الشبان والشابات من بين هؤلاء المهاجرين كانوا يشكلون قوة بشرية لجيش الاحتلال الصهيوني في حربين شنهما في عام 1956 ضد مصر وفي عام 1967 ضد ثلاث دول عربية هي سورية ومصر والأردن وربما شكلوا 35% من القوة البشرية للجيش الصهيوني في هاتين الحربين.
لقد وجدت «القيادة» الصهيونية في «سياسة الدبلوماسية السرية» أهم قواعد العمل مع عدد من الحكام والملوك العرب من أجل تحقيق أهم أهدافها ضد العرب وحركة التحرر العربية فنفذت من خلالها اختراقات جعلتها تجند جعفرالنميري رئيس جمهورية السودان التي لا يوجد فيها يهود، فيشارك معها في تهجير يهود أثيوبيا إلى الكيان الصهيوني في تشرين الثاني 1984 عن طريق مطار في السودان حملت فيه الطائرات سراً أكثر من 7000 من يهود «فلاش مورا» الذين صادق حاخام اليهود الشرقيين على أنهم يهود عاشوا في أثيوبيا منذ فترة طويلة، وفي مجالات أخرى تمكنت «القيادة» الصهيونية من تحقيق اختراقات في الصف العربي حين مهدت بدبلوماسيتها السرية «تدريجياً» ربط أنور السادات باتفاقية «كامب ديفيد» بعد لقاء سري بين موشيه دايان وزير خارجية «إسرائيل» آنذاك، حسن التهامي نائب رئيس وزراء مصر بضيافة الملك الحسن الثاني المتمرس في لقاءات سرية مع الإسرائيليين لإخراج مصر ودورها القومي من قضية فلسطين والأمن القومي العربي ثم وجدت «إسرائيل» بعد هذه الاتفاقية سهولة في إجراء محادثات سرية أيضاً بين شارون وبعض قادة الكتائب في بداية الثمانينيات إلى أن وصل دور هذه «الدبلوماسية السرية» بالتنسيق مع واشنطن إلى عقد اتفاقية أوسلو في أيلول عام 1993 مع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية والتي ما زلنا ندفع مضاعفاتها الهائلة في المنطقة كلها وما زالت «القيادة» الصهيونية تستمر في الاعتماد على هذه «الدبلوماسية السرية» والاستخباراتية في الوقت الراهن وتوجه نشاطاتها السرية هذه نحو عدد من الدول العربية التي يتحالف حكامها مع الولايات المتحدة فلا تنجح هذه «الدبلوماسية السرية» الإسرائيلية إلا مع حكام يحملون سجلاً قديماً أو جديداً لعلاقاتهم ولخضوعهم للولايات المتحدة في وقتنا الراهن و لبريطانيا وفرنسا في الماضي.
وهذا السجل الخطير «للدبلوماسية السرية» الإسرائيلية وما حققه يؤكد أن هذا الكيان كان يحصل على الدعم البشري للمهاجرين اليهود من هذا النوع من الحكام الذين يسمحون لأنفسهم بشق الصف العربي وبالعمل ضد الأشقاء العرب وجيشي سورية ومصر والمقاومة الفلسطينية واللبنانية طوال العقود الماضية وخلال حروب لا تزال آثارها حاضرة في فلسطين المحتلة والجولان العربي السوري المحتل.

::طباعة::