بوريس بيريزوفسكي (الذي توفي في 2013 وسط جدل بخصوص أسباب وفاته)، هو نموذج لرجال الأعمال الروس الفسدة الذين يُسخّرون السلطة السياسية لخدمة مصالحهم، وكان هذا في زمن بوريس يلتسين، ولما تغير وآن زمن العقاب بعد عام 2000، ورحيل يلتسين.. هرب، ومنحته بريطانيا حق اللجوء السياسي (يعني قدمت الحماية لشخص فاسد ومدان قانوناً).
بيريزوفسكي هو يهودي (فيما بعد انتقاله إلى لندن قال إنه تحول للمسيحية)، ويحمل جنسبة الكيان الصهيوني، وأسرته تعيش في الأراضي العربية الفلسطينية المحتلة، وهو شريك لنيل بوش الشقيق الأصغر لجورج بوش.
بيريزوفسكي هو أحد أعضاء الأقلية المالية التي نشطت بزمن ميخائيل غورباتشوف، ثم ابتلعت أملاك الشعب الروسي العامة عبر حملات الخصخصة التي سلمتهم تلك الأملاك بأبخس الأثمان في التسعينيات.. وقد أسس وسائل إعلام لتحمي مصالحه، ومصالح بوريس يلتسين، مثل قنوات ORT وTV6  فضلاً عن جرائد Nezavisimaya Gazeta وNovye Izvestiya وKommersant، وسخرها لخدمة يلتسين في انتخابات الرئاسة عام 1996، وهي الانتخابات التي حصل فيها تحالف من رجال الخصخصة الروس والولايات المتحدة وعواصم غرب أوروبا لدعم وتمويل حملة يلتسين لإنقاذه من هزيمة محققة كادت أن تأتيه على يد الشيوعي الوطني جينادي زيوغانوف.
بيريزوفسكي كان مقرباً من ابنة يلتسين «تاتيانا ياماشيفا»، وكان رجلاً بارزاً في الكرملين.. وكان معارضاً للحرب التي شنها الجيش الروسي على بعض الجماعات المتطرفة في الشيشان بخريف 1999، بعد أن قامت تلك الجماعات في مقدمتها (اللواء الإسلامي الدولي) بتنفيذ غزو لداغستان المجاورة بهدف تأسيس «إمارة وهابية»، وذلك حصل بالتزامن مع نشاط وتصاعد في أوزان الوهابيين «الجهاديين» مقابل غيرهم، وعندما نجحت القوات الروسية في التصدي لهذه الهجمة بحق داغستان، قامت هذه الجماعات بتنفيذ تفجيرات واسعة للمساكن الروسية في مدن بويناكسك، وموسكو، وفولغودونسك في أيلول 1999، وهو ما أدى إلى مقتل 293 شخصاً وجرح 651 آخرين، ونشرت هذه التفجيرات موجة من الخوف في أرجاء البلاد.. فكان لا بد من الحرب ضد هذه العصابات، لكن كان لبيريزوفسكي رأي معارض!.
وهناك دلائل على أنه كان من داعمي التمزق أساساً في التسعينيات، ومقرباً من قادة جمهورية الشيشان الانفصاليين، ومن المعروف أن جوهر دوداييف أول رئيس للشيشان بعد 1991، والذي كان جنرالاً في الجيش السوفييتي كان مسانداً لقرارات تفكيك الاتحاد السوفييتي، وامتنع عن تنفيذ أوامر عسكرية بغرض منع التفكيك في بعض المناطق الشمالية، والتف حول يلتسين وجرورباتشوف ضد المحاولة الانقلابية التي طمحت للوقوف في وجه التمزق والانفكاك، ورغبت في تعطيل السياسات الاقتصادية التخريبية في آب 1991، وقد عملت واشنطن ولندن وبرلين وأوتاوا على إجهاض هذا الانقلاب من الخارج والداخل.. وهذه العلاقات المتشابكة تعني أن نخبة الكرملين ذاتها آنذاك، والتي مثلها شخص مثل بيريزوفسكي، كانت متآمرة على الجيش الروسي بحرب الشيشان الأولى (1994-1996)، وهذا يفسر هزيمته رغم استخدامه العنف.
وأياً ما كان من الجدل بخصوص الشيشان (التي تبلغ مساحتها فقط 17,300 كم2، وعدد سكانها بالكاد اليوم يبلغ 1,4 مليون!!) ما بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، فإن المؤكد أن الأيادي الأمريكية كانت تلعب هناك لتفكيك الاتحاد الروسي ذاته، وتوظّف كل شيء لمصلحتها، وكذلك كان هناك وجود بارز لأتباع «القاعدة» من أمثال: شاميل باسييف وخطاب (ثامر سويلم) وأبو الوليد الغامدي ودوكوعمروف و أبو عمر سيف.. إلخ، وكثير من هذه الأسماء تدربت وقاتلت في أفغانستان في الثمانينيات، وفي أذربيجان ضد أرمينيا (حرب قره باغ في 1993)، وقد ساهمت هذه المجموعات في دعم تفكيك الاتحاد اليوغوسلافي أيضا.. و»إمارة القوقاز الإسلامية» التي تمثّل امتداداً وتطويراً لهذا الخط، تحارب اليوم ضد الجيش العربي السوري، والجسر هو «إخونج» تركيا، حيث تجمعهم الروابط بهم منذ حرب أفغانستان التي كان لرجب أردوغان دور فيها، وصورته عند أقدام قلب الدين حكمتيار مشهورة، وكذلك تلقت حرب الشيشان دعما من هيئة الإغاثة التركية IHH التي تأسست لمثل تلك الأغراض التخريبية من تحت عباءة إنسانوية، ومواقفها اليوم في شمال سورية تدل على ذلك، إضافة إلى دور لمنظمة «أطباء بلا حدود» التي مررت بشهادة أحد قادة الجيش الروسي السلاح أكثر من مرة للمقاتلين المتطرفين في القوقاز، قبل أن يُمنع عملها، وهناك أيضًا دور جورجيا التي أخذت الصف الأمريكي في تلك الحرب الشيشانية، كما يلاحظ أن قطر استضافت أحد أصوليي الشيشان ورئيسها بالوكالة مدة عام بعد مقتل دوداييف، وهو: سليم خان باندرييف، لارتباطه بالعمليات التخريبية المدعومة غربياً، وقد تم اغتياله بتفجير على أرضها في شباط 2004.. ولم يتضح في البداية من كان مسؤولاً عن الانفجار، ولكن الأصابع اتجهت لوكالة الاستخبارات الخارجية الروسية، لكنها نفت أي تورط في عملية الاغتيال.
بيريزوفسكي كان الوجه المدني الذي يقدم نفسه لكونه داعماً لليبرالية الاقتصادية والإعلامية والسياسية، ويشن حملات ضد الدولة الروسية تحت قيادة فلاديمير بوتين طوال العقد الماضي، ويبشر بـ«اقتراب سقوطه»، وقد قدم دعمه الوافر للثورة الأوكرانية الملونة الملوّثة بالمال الغربي (من جوروج سورس وبيتر آكرمان) وبوصايا جين شارب في 2004، التي عملت على منع فوز فيكتور يانكوفيتش رئيس الحكومة بمنصب الرئاسة، وتنصيب شخص آخر موالى للغرب ولسياسات الخصخصة هو «فيكتور يوشيشينكو» (ملاحظة: يانكوفيتش سينجح في الانتخابات التالية 2010، وستدُبر بحقه ثورة ملونة أخرى وانقلاب في 2014)، وفي كانون الثاني 2006 صرح بيريزوفسكي بأنه يعمل على الإطاحة بالإدارة الروسية بالقوة، وبعدها بعام صرح بأنه يحضر لثورة هناك.
جميع مواقف بيريزوفسكي متساوقة مع مصالحه المالية المرتبطة بالعواصم الغربية، ومتمشية مع مصالح البلد الذي يستضيفه ويحميه أي المملكة المتحدة، وكذلك كان متعاوناً مع منظمات المجتمع المدني التي تتلقى تمويلاً غربياً.. وفي الوقت الذي كان يشن بيريزوفسكي حملاته تلك، كانت روسيا تتعرض لعدد من الضربات الإرهابية المتتالية التي نفذتها بعض الجماعات الوهابية الشيشانية بعد خسارتها الحرب الثانية، ومجيء أحد قاديروف كرئيس بالانتخاب، واستقرار الأوضاع في الشيشان، وعودتها للاتحاد الروسي كجمهورية مستقلة، تتمتع بلغتها القومية.. وهذه الجماعات التي عدت نفسها بمنزلة حكومة شرعية ساقطة، وقامت بأعمال انتقامية مثل احتجاز رهائن في مسرح في موسكو في تشرين الأول 2002، وراح ضحية العملية 170 فرداً، كما احتجزت طلبة في مدرسة بمدينة بيسلان في أيلول 2004 وراح ضحيتها حوالي 320 على الأقل، كما قامت باغتيال الرئيس قاديروف في أيار 2004 (يتولى نجله رمضان الحكم منذ 2007)، وخلال كل هذه الأوقات قاد شاميل باسييف حرب عصابات ضد الشرطة الشيشانية وكذلك القوات الروسية، ثم تولى المهمة بعد مقتله في تموز 2006 آخرون كانوا رفاقاً له وقادة معه، وإلى اليوم تعد تلك الجماعات مصدر تهديد، لكن الأمن ينجح كثيراً في مهامه بحصارها.
بيريزوفسكي انتهت أو أُنهيت حياته في 22 آذار 2013 في لندن، ويوم موته لم يكن هناك كثيرون ليبكوه في الحقيقة (رغم أن الصحافة الخليجية تعاملت مع وفاته باعتبارها وفاة معارض يستحق النعي!!).. على أي حال، بيريزوفسكي، لم يكن كل الأشياء السيئة السابقة فقط، بل كانت تتبعه مافيا، نُشرت دلائل على تورطها في اغتيال خصومه، وفي 1996 كتب الصحفي باول خليبنيكوف، الذي اشتهر بتحقيقاته عن عمليات الخصخصة المثيرة للشبهات، مقالة فضح فيها بيريزوفسكي بعنوان «عرّاب الكرملين»، وفي وقت لاحق وسع المقالة إلى كتاب تحت عنوان «عراب الكرملين: بوريس بيريزوفسكي ونهب روسيا» أثبت فيه أن بيريزوفسكي رجل مافيا يقتل خصومه، ونهب أملاك الروس في التسعينيات.. في 2004 تم اغتيال خليبنيكوف (صاحب الكتاب ذاته)!.. وهناك مواقف عديدة من هذا النوع جرت لصحفيين حاولوا التصدي له سواء في التسعينيات بزمن امتلاكه زمام الأمور أو فيما بعد.
الحديث عن بيريزوفسكي ليس حديثاً عن فرد، بل عن نموذج تجده في العديد من الدول، يسعى لتحقيق مكاسب على حساب المجتمع، ويتورط في قضايا فساد، ويتعاون مع أعداء بلده لتحقيق مصالح أكبر، ويرتدي أثواب «الليبرالية» ومن أسفل هذا الثوب يصطف مع أكثر القوى رجعية، مادام مهندس تلك العمليات واحداً.. والمسيء أن هذا النوع الشرير باعتباره يضر بمصالح البشر، لا يلتفت إليه أحد، ولا تدينه وسائل الإعلام هنا.
كاتب من مصر

طباعة