أجمعـت كل الأمم عـلى أهمية الوقت؛ وضرورة عـدم تضييعـه في مهام ثانوية؛ لذا تبارت الدول في تسهيل إجراءات المعـاملات الرسمية والحصول عـلى التراخيص لديها؛ وفي هذا المضمار خاضت معـارك مع الأفكار المتحجرة ومع الروتين الثقيل؛ حاولت جهدها الفوز بها.
تذكرت هذا الموضوع لدى مراجعـتي إحدى الدوائر مؤخراً (لا أدري لم يسمونها دائرة؟ ربما لأنك محصور ضمنها مثل «دائرة الطبشور القوقازية»!) ؛ وأنا أمضي الساعـات الطوال متنقلاً من موظف إلى آخر..
تذكـّرت ماكان يـُدعـى بالنافذة الواحدة وكيف أنـه يمكنك قضاء كل معـاملتك عـبر منفذ واحد!
حاولنا جهدنا تنفيذها؛ ولكنها مثل مغـارة عـلي بابا: نافذة تنفتح على مئة نافذة داخلية؛ وهناك تتوه.. وتلهث؛ وكالعـادة: المصعـد معـطل؛ والموظف غـاضب؛ والنت مقطوع وكل المراجعـين بحالة انتظار؛ وكل ماهنالك من الأشياء العـجائبية التي كنا نتصور أنها لاتحصل إلا في الأفلام الهزلية؛ ونتهم المخرج بالمبالغـة,, نراها نصب أعيننا,,!
وأذكر أيضاً أنـه باجتماع لتنشيط الصناعـة ضمن الاتحاد الأوروبي – حضرته منذ بضع سنوات – ؛ تفاخر بعـض ممثلي الدول فقال البلجيكي: الترخيص الشامل يستغرق ثلاث أيام؛ انبرى ممثل اللوكسمبورغ بأنّ ترخيصاً مثل هذا يستغـرق نصف يوم عـمل لديهم؛ وأنا أشحت بوجهي ابتعـاداً عـن الموضوع!
حاول صديق إزالة إشارة حجز «هايفة» عـن ممتلكاته وزوجته؛ وكلـف محامياً؛ ولجأ لوساطات وها قد انقضت سنة وهو يراوح مكانه مع تكاليف تفوق المبلغ بعـشرات المرات!نعـود لشكلي – الغـلبان – أمام الموظف؛ متقمصاً شخصية جدتي التي كانت تقرأ وتنفخ كي يعـمي الله عـيونه عـن النواقص! ولكوني تحت رحمة كذا موظف في المعـاملة العـجائبية التي ألبسوني هموم متابعـتها.
نتابع رحلة العـذاب: توقيع عـلى توقيع؛ لتصبح صفحة المعـاملة مزركشة بكومات من الحواشي والأختام,,!
الأختام؟ هذه لها قصة أخرى.. فبلدنا يعـشق الختم؛ وهو بالأصل خاتم الوالي بالاسم أو الشعـار؛ وللسهولة ماعـاد الموظف يطلب منك ختمها بختم فلان؛ صارت الكناية تحل محل التصريح: الختم الأحمر المستطيل؛ الأزرق البيضاوي؛ الرمادي الدائري وهكذا…
أما عـن الطوابع ودفع الإيصالات في كوى مختلفة ومتناثرة؛ والتصوير والترجمـة وتصديق الترجمات؛ فهذه لها حكاية أخرى لن أصدّع رأسكم بروايتها..!
منذ سنوات : كنت بزيارة أثناء إلقائي مجموعـة محاضرات في بلد عـربي شقيق؛ وعـرض صديق دعـوة كريمة للعـشاء – مسبوقة بإنجازه فحص فني لسيارته في دائرة ميكانيك المواصلات – ؛ وعـلمت لدهشتي لاحقاً أنّ الدائرة تعـمل بلا كلل 24 ساعـة (3 ورديات) عـلى مدى سبعة أيام؛ فلا ضرورة لأخذ إجازة من عـملك لإنجاز الفحص السنوي! وهنـا: ماذا يمنعـنا من مضاعـفة عـدد الموظفين في عـصر الكل يلهث وراء الوظيفة؛ وفي الوقت نفسه تنجز معـاملات الناس بيسر.
ياسادة: الدواوين اختـرعت للتوثيق ؛ ولكننا أضحينا عبيدا لها وأسرى لروتينها الخانق؛ نحن نحتاج الآن إعـادة النظر بشكل راديكالي بأداء مؤسساتنا الخدمية.
ولاننسى, أنّ الصعوبات والتعقيدات والتسويف هي ما تشجع الرشا, المعـروفة بالعـامية «البرطيل».
الهدف الواقعـي الآن: تقليل الاحتكاك البشري مع المراجع (أي تطبيق التعـامل الإلكتروني؛ ويمكن تطبيقه بسهولة لدينا بعـد تنفيذ: «البصمة الالكترونية»).
* خبير استشاري

طباعة