يحدث أن يتوارى الروائي خلف شخصياته التي يبتدعها لكي يقول ما يريد في معزل عن المساءلة بشقّيها القانوني والأخلاقي. فالكاتب يطلق العنان لشخصياته، مانحاً إيّاها حرّية الحركة، وحريّة القول والتفكير، موهماً قرّاءه بأنه مجرّد شاهد موضوعي يكتفي بتسجيل ما يراه ويسمعه. والروائي يمنح نفسه أيضاً حقّ الشهادة على عصره بكلّ ما يعيشه العصر من التباسات يتطلّب فهمُها وتفسيرها عدداً معتبراً من الباحثين، وعدداً من سنوات العمل الدؤوب. وفي هذا السياق تحتلّ رواية إلياس خوري (سينالكول) مكاناً رجراجاً في خريطة الثقافة العربية التي باتت محطاً للتساؤلات المقلقة والالتباسات المتعلّقة بكلّ شيء. (سينالكول) ليست رواية الكاتب الأولى التي تسعى إلى اكتناه الحرب اللبنانية الأخيرة وسردها بفنية لافتة. ولكنها الأكفأ بين رواياته الأخرى من ناحية بنائها الفنّي، ومن ناحية غزارة الأحداث والأفكار والمقولات. ومن هنا تتأتى خطورتها الضاربة عميقاً في الأسس المتخلخلة التي عاشها جيلنا بوصفها أسساً راسخة رسوخ التاريخ والجغرافيا العصيّين على الاهتزاز، مهما عصفت بهما اهتزازات اليقين، كفكرتي الهويّة والانتماء، وسوى ذلك كثير. ومن ذلك – تمثيلاً لا حصراً – طرائق تناول الشخصيات السورية المسرودة عموماً، بشكل خاطف وثانوي مبطّن بكراهية خفيّة تشمل السوريين، على أرضيّة التمييز ضدّهم من منطلقات لبنانية يسارية ويمينية، ومنطلقات فلسطينية موازية. وهذه الرواية تفسح لسردهم مساحة أكبر من غيرها، لكنها تبقيهم شخصيات ثانوية. وحتى الشخصيات التي أراد الكاتب أن يبرزها بوصفها شخصيات إيجابية، نجدها موضعاً للتفكير والالتباس كأحد نزلاء سجن الرمل اللبناني المذكور تحت لقب (المفكر السوري الكبير) وشخصية (غزالة) القادمة من جبل العرب للعمل في بيوت الخواجات وجعلها موضوعاً أثيراً لفثء شهوة إحدى الشخصيات الرئيسة في الرواية.
ما بدا مثيراً للتساؤل الممضّ هو الجهد المحوري الذي بذله الكاتب في سرد شرائح من اليسار اللبناني الذي تغنّت الرواية ببطولاته وإنجازاته (اليسارية) خلال مجريات الأحداث، مسوّغاً تحوّله الميسّر إلى الأصولية الإسلامية المتشدّدة، بوصفها خشبة خلاص. والمسألة من وجهة نظر الرواية لم تكن محوطة بالغموض الذي يتطلّب التفسير والتسويغ. لقد فوجئ الشباب الماركسيون الطرابلسيون بأنفسهم يصرخون إثر إحدى معاركهم (البطولية) التي ربحوها يهتفون (الله أكبر) بشكل عفوي جعلهم يراجعون أنفسهم ومنطلقاتهم ليكتشفوا أنهم إسلاميون. وإمعاناً في دعم المكتشف وترسيخه تجعلهم الرواية يعودون إلى كراريسهم الماركسية، ليشطبوا هذه الكلمة ويضعوا بدلاً منها كلمة (الإسلام) هكذا، ببساطة، بحسب تعبير الرواية، ومن غير أن يتغير أي شيء لدى هذه الشريحة الماركسية/ الإسلامية التي انغلقت الرواية على استمرارها في ممارسة أنشطتها الجهادية.

طباعة