بديع منير صنيج ـ تشرين:

ما زال الألم هو ديدن كائنات نزيه أبو عفش، فهو لم يتخلى عن عقيدته، وما زال مواظباً على نَحْتِ وجه المأساة الإنسانية منذ أكثر من أربع عقود، ومُصِرَّاً على دعوتنا لـ«نُعرِّفَ هذا اليأس»، لكنه هذه المرة في معرضه المُقام ضمن المركز الوطني للفنون البصرية، ويستمر حتى الأسبوع الثاني من حزيران، يواجهنا برهافة أعمق، ويجعلنا نتحسَّس ذرَّات أقلام الفحم كأنَّها مساماتنا، زارعاً فينا بُعداً جديداً من نور، يخترقنا ويُعيد تأصيل تضاداتنا بأسلوب مُغاير، فالأسود ليس نقيض الأبيض في جميع أعماله، بل صنوه ومكمِّله، وبتماهيهما تصبح الدَّهشة أجمل والألق باهراً أكثر.

وكما أن صاحب «الله يبكي» تأثَّر في مجمل أعماله الأدبية بقصص الإنجيل، فإنه تشكيلياً يُداور تفاصيل من تلك الحكايا، جاعلاً إياها حكايانا، وفق رؤى خاصة تُسقِطُ رأس يوحنا المعمدان أكثر من مرة على طبق الانتقام، بينما مريم تبذل عينها لابنها الذي جاء امتداداً لتكوينها ذاته، والكأس المُرَّة في العشاء الأخير طازجة على الدوام، فـ«نزيه» لا يتخلى عن بهاء الحكاية، ولأنه يبتغيها بكامل زخمها فإنه يكثِّفها في وجوه شخوصه، مع اختزال ملامحها إلى الحدود الدُّنيا، لكن ببلاغة غير مسبوقة للخطوط، واضعاً إيانا باستمرار أمام هيبة الجمال وشفافياته المختلفة، بأسلوبه الخاص الذي يُثلِّث أبعاد لوحاته بالضوء وحده، حيث التباينات بين النور والظل تلعب الدور الأكبر في تحديد هوية أعماله، وكأن نزيه أكمل بَوْحَه الشعري ومجاهراته فيما يكتب بما يوازيها تشكيلياً.

إذ تقوم يده عبر استخدام أصابع الفحم بدوزنة حساسية اللحظة الفنية المُنتجة لكل لوحة، مُحوِّلاً التكوين بالخطوط إلى كتلة وفراغ من نوع خاص تتكثَّف في استدارة الوجوه، وفي تصوير الحجارة التي ترتصف بتكوينات أشبه إلى ترتيب الوجوه والرؤوس المُثقلة بهمومها، حيث أن أصابع وقلب صاحب «ما ليس شيئاً» تنحت الأشكال المستقرة الأقرب إلى المثلث مع حوافها المستديرة، يُستثنى من ذلك أوراق ملاحظاته المربعة، وطاولاته، وكوادره الداخلية، وجميعها مديدة في الزمن بتعبيريتها الآسرة التي تؤكد على أهمية الوجدان في كل لحظة إبداع تجود بها قريحة الفنان «أبو عفش» في جميع لوحاته، سواء أكانت ملونة أو تَبْرُزُ ألوانُها من خلال غنى الأسود وفرادة استخدامه، إذ يبدو في بعض الأعمال وكأنه طافٍ على الأبيض، وفي أخرى كأنه ضفاف، وفي غيرها كـ«بودرةِ» نورٍ، موحياً بنقيضه، ليستحيل تجسيداً بصرياً لمقولة «الأمل يأسٌ مقلوب» التي دأب صاحب «الله قريب من قلبي» على تَمَثُّلِها دائماً في تصوير ألمه.

المُفاجئ في هذا المعرض أيضاً أن بعض لوحاته جاءت كاستنطاق للزمن الذي عشناه زمن الحرب رغم أن تاريخها يعود إلى عام 2008 وبعدها بقليل، فهاك الماء الأسود يفصل بين البشر، وتلك العشاءات السرية تتكرر في أكثر من لوحة معلنةً فُراق السَّلام، وذاك الكأس الذي لم يُرَد له أن يبتعد عنّا ما زال مُترعاً، وملامح الخوف تُسيطر على المشهد باستمرار، وموتيفات الغُرْبة تتأصَّل كَلَوْعات وآهاتٍ طويلة، والأجساد رغم حسِّيَتها العالية في بعض اللوحات إلا أنها مُصابة بالدَّهشة أيضاً، فلا أحد مُصدِّق لما حصل، وكل من يرسمهم صاحب «الراعي الهمجي» ممتلئون بالضوء رغم الخلفيات الرمادية التي تحتضنهم، فهم مُعمَّدون بالنور، وعلى اختلاف تكويناتهم يقوم «نزيه» بتقديسهم ليصبحوا أشبه بأيقونات لا تترجى أكثر من اكتمال سيرتها في وعي النَّاظرين إليها.

  

تصوير: محمد فندي

 

bsnaij@yahoo.com

طباعة