يهاجم الكاتب الشَّهيرُ الرِّقابةَ، هجوماً ضارياً ويُطالبُ بإلغائها ليتفتّح الإبداعُ بلا شروطٍ ووصاية، لا تعرف إلا قتلَ البذور، قبل البراعم! ويتقبَّض وجهه حين تقول له بهدوءِ: -هذا هو خبز الشعير، المأكول، المذموم! حين تُنشر روايةٌ تطبق شهرتُها الصحف ووسائل الإعلام المرئيّة والمسموعة ثم تتحوّل إلى فيلم سينمائيّ، يوصف بأنّه علامة عصره على حدَثٍ وطنيٍّ فريد، قبل أن يشير ناقد محترف إلى أنها مسروقة من رواية عالميّة، لم تُتَرْجم ولم تُتَداول بين القرّاء، تسمع أسئلة الاستنكار: أين كانت الرقابة حين مرّت الرّواية إلى النَّشر ثمّ الانتشار ثم التّصوير؟ وحين تُعرض مسرحيّةٌ يتلقاها الملايين بالضحك والصّخب، ثمّ تُصَوّر وتُعرض على شاشات التلفزيون، ليتضاعف عدد المشاهدين بلا حساب، وتعبُر أجيالاً، ويقرأ خبراءُ تأثيرَها السّلبيّ على سلوك هذه الأجيال بتحطيم القيم وتضييعها، بعيداً عن براعة الكاتب في معالجة نصٍّ مكتوبٍ لمجتمع آخر، بأسلوبٍ خبيث، كأن يحقن الوعيَ به ويسهم في مشروع التطبيع، سيأتيكَ الاستنكارُ بسؤال تلقائيٍّ: أين كانت الرّقابة من هذا كلّه؟ وستدرك أنها ليست سيفاً مسلطاً على رقبة الإبداع بل هي تقييمٌ عميقٌ واسعٌ ومسؤول! –تقصدين الوصاية على العقول؟ سهلٌ علينا تمييعُ المصطلحات وتركُ حَبْلِها على غاربه! العقول، هي ما تسمِّيه أدبيّاتُ العصر بالجمهور المستهدَف أو الرّأي العام، أي التربة التي تتسابق إليها الأقلام، وهي لم تعد مجرد أقلام، بل مؤسسات، تبذر ما تشاء، لتحصد نتائج تزيح الخصوم وغالباً ما تسوق العقولَ التي تعوّل عليها أنت، إلى كوارثَ ووعيٍ زائف! تخيّل أن تخلو دور النشر والصحف والمنازل من الرّقيب! ألن تختلط المعايير برأيك؟ ألن يتجرّأ الطّالح على الصّالح ويصبح الوحل بقيمة الذّهب؟ -ألا يستقيم العالم برأيكِ إلا بالعصا؟ رقيبٌ غبيٌّ منع أهمَّ رواياتي، ليس لأنه مثقّف وعارف بل لأنّه يملك الصّفةَ والسُّلطة وعسيرٌ عليه أن يلتفت إلى تاريخِ مبدعين قدّمهم إلى قاعاتِ المحاكم ومُنعَت أعمالهم وسُجنوا، لكنّ إبداعهم تخطّى الزّمان وأثبت جدارته وألقَه بعد أن خلّفه وراءه مجرّد موظّفٍ بالتّكليف! –كنتُ وافقتُكَ لو أنّ كلّ مهنة في الوجود اتّصفَت بالكمال كوعاءٍ خزفيٍّ مصمَت، تخيّل أن تُغلقَ المدارس إن أخطأ معلّم! أليس الأجدى أن يُفصَل المعلّم وتبقى المؤسسة قائمة؟ -هل قرأتِ «المكتوبجي» لسليم سركيس؟ -ذاك الكتاب الرائع السّاخر من الرقيب العثماني، الذي كان يلاحق الصّحافة الوطنيّة بأسلوب، أقلُّ ما يُقال فيه، الغباء والذعر من اليقظة القوميّة العربيّة، بلى! لكنّه الكتاب الذي يعزّز رأيي بقيمة الرّقابة وضرورتها!

طباعة