لم تعد تنفعنا كل أنواع العصائر؛ لا عصير التمر هندي ولا عصير البندورة الحامضة والعِرْقسوس والجلّاب وعصير الشعير المخمّر، ولم تعد تبلّ ريقنا بعد أن نشّفته الحالة المعيشية المرعبة التي وصلنا إليها وتلك التحليلات العجائبية التي يتحفنا بها محللونا الاقتصاديون على شاشاتنا عبر براعتهم في تذكر الأحداث ومسبباتها والتواريخ الدقيقة التي حصلت فيها تلك الحوادث، والتفنّن في سلق وطبخ مكونات عدة نظريات أيديولوجية كالبراغماتية واقتصاد السوق الحرّ وخلطها مع التشريعات لإضفاء المزيد من الصدقية، والأسوأ أن بعضاً منهم بات يعتمد على تنبؤات قارئات الحظوظ والمستقبل ويبتهج معلناً صحة ما تنبّأ به في بداية الحرب عن تحسّن ظروف البلد وكأنهم لا يرون أن «رويتباً» مكوناً من خمسة وثلاثين ألف ليرة أصبح ليس فقط من دون أي «قيمة مضافة» بل تحوّل إلى مخزون استراتيجي من القهر والدموع المالحة على وجه أبٍ يدفعه في اليوم الأول من الشهر أجرةً لغرفتين، بينما تبقى تلك التنظيرات الاقتصادية تلدغه مثل عقربٍ لئيم حين يحور ويدور ويكسر الصخور ليؤمّن خبزَه كفافَ يومه له ولعياله.
وبين أولئك الذين ينشّفون الرّيق ومع اقتراب العيد يبدو أن بعض المعنيين بحالنا ما زالوا يتّبعون أقدم سياسة اقتصادية/اجتماعية عرفها أجدادنا الأوغاريتيون ألا وهي أن «الزيتون كل ما رصّيتو بيحلى» وأن الإنسان لا ينضج ويكتسب المعرفة الحقيقية إلا إذا كوته نار التجربة، لذلك تراهم يرصّون المواطنين في معصرة الصبر، ويطحنونه بمطحنة التصريحات والوعود، ويخبزونه على نار الأسعار ليجعلوا منه تحفة فنية ثم يتباهون بقدرته على أنه حوّل مراراته وخساراته إلى عصير السخرية الباردة المتوفر حالياً في الأسواق -خاصة في سوق الدراما- والمعبّأ خصّيصاً والمكتوب عليه شعار: ابتسم فأنت لا تزال حيّاً!.

::طباعة::