تتحكم دور النشر العالمية الكبرى بتوجهات الكتابة الراهنة، وذلك بتسويق نمط من الأفكار على حساب سواها، فالكتاب بالنسبة لمعظم هذه الدور مجرد سلعة ينبغي إخضاعها لمتطلبات السوق بصرف النظر عن أي فكرة مبتكرة، فالمهم إدخال الكتاب إلى المطحنة، ولاتهم نوعية الخبز. هكذا سخر الكاتب الإيطالي المعاصر ريكاردو بوزي من دور النشر على طريقته، فهو افترض في كتابه «عزيزي الكاتب: رسائل الرفض من دور النشر للأعمال العظيمة»، أن كبار الكتّاب قد عادوا من موتهم وقرروا تقديم مخطوطات كتبهم إلى دور النشر اليوم، فماذا ستكون الإجابة؟ تحفة غابرييل غارسيا ماركيز «مئة عام من العزلة» كان نصيبها الجواب التالي: «لو حذفتَ كل هذه الأشياء الغرائبية، الخارقة للطبيعة، التي تصل الى حدود الصوفية، سيكون كتابك عظيماً. مسألة صغيرة أضيفُها، أخشى ألا يبقى كِتابٌ بعد هذا الحذف». أما الرسالة الموجهة من لجنة القراءة إلى تولستوي بخصوص روايته «الحرب والسلم» فهي: « فذ، جذّاب، عظيم ومذهل. (بدأت أفكّر بالأرقام، نسخة الجيب سعرها قد يكون ٦.٩٩ يورو أو حتى ٥.٩٩ لوعثرنا على تعرفة مخفّضة في المطبعة). شيء واحد فقط. أعرف أنك من روسيا وأنت بغاية الشغف ببلادك وتاريخك (أنا أيضا: في المرة القادمة سأرافقك إلى مطعم في سان جيرمان يقدم أفضل المقبلات بالكافيار في باريس)، ولكن ما رأيك باستبدال حملة روسيا ونابليون في الكتاب بشيء أكثر شعبية؟ شيء يمكن أن يثير اهتمام ماكينة السينما العملاقة. لا أعرف، شيء من قبيل حرب الاستقلال. بأي حال، شيء يحصَل بالضرورة في الولايات المتحدة. أرض الحلم والحرية، حيث المنتجون المحشوون بالعملة الخضراء سيتقاتلون لأجل فيلم يتناول عملك العظيم. فلتكن رؤيتك أوسع دائماً، عزيزي ليون. هوليوود، لا موسكوفا. وسوف ينال هوميروس صاحب «الإلياذة» نصيبه من النصائح: ليتك تسدي لي خدمة. ادخل الى أي متجر لبيع الكتب، واقعياً كان أو افتراضياً، وتوجه إلى جناح السياسة. ستجد كمّاً هائلاً من الكتب تتناول الحروب التي تمزق الشرق الأوسط. لن تعوزك الفطنة لتلتفت أن هذه الكتب توثّق بأفضل المستندات وبدقة عظيمة لهذه النزاعات الصعبة، ولكن ليس بوساطة قصيدة ملحمية، لابد من وجود سبب لهذا الأمر. وبينما أنت في المكتبة، يمكنك أيضاً زيارة جناح الكتب العملية والبحث عن كتاب لكبح الغضب. سيكون بالتأكيد مفيداً لبطلك أخيل (أظن أن عليه أيضاً تخفيض جرعات المخدر، نظراً للطريقة المشينة التي يعامل بها هكتور، والحنان المفرط الذي يقابل به بريام، وهو والد هكتور ذاته. كل هذا بتأثير الكوكايين).
ولكن ماذا بخصوص الكتّاب المبتدئين الذين لم يخرجوا من البيضة بعد؟

::طباعة::