العالم بوعي منه أو من دون وعي بات يؤمن بكرة القدم كما لم يؤمن بشيء من قبل، ولم تعد قطعة الجلد المستديرة تلك التي تتقاذفها الأقدام مجرد لعبة أو تسلية فقط، بل هي عالم فيه السياسة والمال, ويحدثنا التاريخ كيف كانت كرة القدم رأس حربة في المشروع النازي والفاشي والرأسمالي يوم كان رموز السياسة من الطامحين، مثل هتلر وموسوليني وصولاً إلى الكيان الصهيوني، يستعرضون العضلات على أرض الملاعب الرياضية وبين جماهيرها، الأمر الذي يطرح تساؤلاً عن التأثير الذي باتت تتمتع به اللعبة ورموزها والتوظيف الذي تتعرض له من السياسة ورجالها وحجم الأموال التي تدور في أفلاكها، وكانت كرة القدم تُعرف بأنها أفيون الشعوب ولكن تحولت اليوم إلى ورقة اقتصادية وسياسية رابحة وقد سعت تل أبيب لاستغلالها، الخطة الإسرائيلية لم تعتمد على ضغط اللوبي اليهودي القوي في الأرجنتين فحسب، ولكن على استخدام المال لإغراء الفريق الأرجنتيني للعب في القدس المحتلة للترويج لقرار اغتصاب القدس المدعوم أمريكياً والاستهزاء، في الوقت عينه، بدماء الفلسطينيين الذين ما انفكّوا منذ إعلان ترامب يندفعون أفواجاً للدفاع بأرواحهم عن عاصمتهم السياسية والدينية.
لاشك في أنها كانت فكرة جهنمية، أن يتكرس الحدث السياسي الأكثر خطورة بحدث رياضي أكثر جاذبية وإثارة على المستوى الشعبي، عبر شد أنظار العالم بأسره، وهيأت تل أبيب لهذا الحدث ما يستحق من إعداد وترويج، حتى بدا كما لو أنه أكثر أهمية من نقل السفارة الأمريكية، ولكن إلغاء منتخب الأرجنتين مباراته مع ما يسمى «المنتخب الإسرائيلي» كان صفعة لتل أبيب ونصراً معتبراً لفلسطين وقدسها، وخذلاناً لدولة الاحتلال ولرئيس وزرائها.
نعم، من على بعد آلاف الأميال سجّل ميسي وفريقه هدفاً مزق شباك مرمى الإسرائيليين وقلوبهم وكل دفاعاتهم، عندما رفض الصلاة عند حائط البراق وملايين الدولارات منتصراً لدماء الشهداء الفلسطينيين، ميسي ليس ولي عهد مشيخة عربية.. ولا ملك رمال.. ولا ملياردير نفطي.. ولا مسلم ولا خادم الحرمين الشريفين.. بل هو بطل رياضي يهزم منافسيه من دون دولارات ولا عنف يتفوق على منافسيه بمهارة اللعب والأخلاق الحميدة، في الوقت الذي يطلب الملك التنفيذي ابن سلمان من الفلسطينيين قبول الفتات وما يعرض عليهم من الإسرائيليين والأمريكيين أو «ليخرسوا ويلتزموا الصمت».
فلا مناص من القول: شكراً ميسي البطل وتباً لولي عهد ما يسمى خادم الحرمين الشريفين.

طباعة