عانى محسوبكم من دوار أقل ما يُقال عنه إنه كامل الأوصاف، بحيث إن الدنيا كانت تفتل بي، فلا أعود أعرف شمالي من جنوبي، ولا شرقي من غربي، ولا حتى فوقي من تحتي. ذهبت إلى طبيب (إذن، أنف، حنجرة) متوقِّعاً أنه «دوار دهليزي» ليخبرني أن أذني الوسطى والداخلية «عال العال»، وجيوبي ممتازة، لكنه لم يدرِ بحال جيوبي الحقيقية، لذلك زيادة في الاطمئنان طلب تحليلاً لسُكَّر الدَّم فكان ضمن معدِّله الطبيعي، فاستغربت كمّ المرارة في فمي رغم ذلك. ولأن السبب الكامن للدوخة بقي مجهولاً لجأت إلى طبيب صحة عامة فطلب تحليلاً لخضاب الدَّم، قائلاً: إن زيادته عن الحد الطبيعي أو فقر الدَّم يؤديان إلى «انخفاض ضغط انتصابي»، وللمرة الثانية كانت النتيجة إيجابية للفحوصات المخبرية، على الرغم من أن دمِّي يبقى فائراً. بالنتيجة الدُّوار واظب على إزعاجي، مثلُه مثل «تحذير» الأطباء الذين طلب ثالثهم مني مراقبة الضغط لمدة خمسة أيام، والخلاصة أن ضغطي «ما شاء الله شباب» من دون اقتناعي بذلك، وحتى ضغط العين كان ممتازاً ولا حاجة لي لتبديل عدسات نظاراتي كما أخبرني طبيب العينية، أما الدكتور الخامس فكان الأكثر دراماتيكية، حيث قال لي، بعدما عرضت عليه كل الفحوصات التي أجريتها، بأنني لم أكن بحاجة لها، والموضوع برمَّته تراكم تعب مع ضغط نفسي وطاقة سلبية مُتعاظمة في رأسي، موصياً إياي بأن ألعب طاولة الزهر أو الشدّة، وأن أمارس بعض التمارين، والأهم أن «أُطنِّش كي أنتعش»، وألا أُفكِّر بأي زيادة للراتب، ولا بسياسات التدبير المنزلي وميزانياته التي تبدأ بسعر كيلو الكرز وتنتهي بفواتير الكهرباء والاتصالات والمواصلات والغاز…، ونصحني بألا أتعاطى بموضوعات الرِّضا الوظيفي والاجتماعي، وألا أُصدِّع رأسي بالمحددات الاقتصادية وعدم تأثر سعر صرف الليرة بانتصاراتنا حتى الآن، وطالبني بعدم التَّفكير بمُخْرَجات جلسات الحكومة واجتماعات مجلس الشعب الدَّورية منها والطارئة، وأنه ينبغي من كلِّ بدّ ألا أحزن أو أكتئب أو ينكسر خاطري… فما كان مني إلا أن أمُدَّ له بطاقة تأميني الصحي، ليطالبني بألف ليرة فوقها، دفعتُها ولسان حالي يُبَرْبِر: «قلتلي طنّش تنتعش.. رح بلِّش من ها اللحظة.. شكراً دكتور».

طباعة