ببراعة الرّسام تُعيد تشكيل الدور عبر رسم ملامحه الخاصة بها، تُشبه فصول السنة بتنوّع أدوارها، الفنانة أمانة والي الباحثة دوماً عن الاختلاف والتّميّز؛ تُعيد نسج الشخصيات التي تقدمها لتصوغها فناً وإبداعاً، ورغم الحضور التلفزيوني الدرامي الواسع، إلا أن أضواء المسرح مازالت تجذبها، ورغم تسلمها مقاليد الإدارة في المسرح القومي؛ تصر أمانة والي على أنها ليست ضليعة بالإدارة إلا أنها ستحاول لتقديم الأفضل لكل من يعمل لأجل التحليق في فضاءات المسرح، «تشرين» التقت الفنانة أمانة والي مديرة المسرح القومي وكان لنا هذا الحوار:

بطولة النساء
• سأبدأ معك من مغامرة الدخول في عوالم مسلسل «وحدن» الذي يجنح في بعض الأمكنة نحو الحكاية المُتخيلة، ما سبب هذا الخيار، وكيف رسمت ملامح الشخوص التي قدمتها؟
•• عندما قرأت النص أحببته لأنه يحمل في ثناياه عدة أجزاء، جزء حياتي وجزء خيالي في الحكاية، وجزء ما وراء القرية، بمعنى أن هناك حوادث موجودة تحدث ونسمع عنها ولكن لانراها، فالشخصيات مكتوبة بشكلٍ جميل، والبطولة جماعية للنساء، ومن النادر أن نُشاهد عملاً قائماً على البطولة النسائية الجماعية، ويحمل أهدافاً أعلى، وقسماً واقعياً إضافة إلى الفانتازيا، أحببت الشخصية التي قدمتها فهي تنضم إلى الشخصيات التي قدمتها، وتحمل شيئاً مركباً وغريباً وضمن الجو العام لهذه القرية، إضافة إلى تقمصي عدة أدوار: دوري الأساس، وأدوار أمي، وجدتي، ودوري وأنا صغيرة..
• إلى أي حد سمح لك المخرج نجدة أنزور رسم ملامح الشخصيات التي قدمتها، أم نقلتها كما هي مكتوبة على الورق أو قمت بتطويرها؟
•• أبداً، لا تُشابه الشخصية المكتوبة على الورق، والمخرج نجدة أنزور يُعطي مساحات شاسعة للممثل عندما يثق به، ولكن عندما يكون الممثل أمامه خياله أقصر من خيال المخرج؛ نجده يضطر لاستفزازه وإعطائه الملاحظات، ومساعدته كي تظهر الشخصية بالشكل المطلوب، ومن جهتي أعطاني ملاحظات لكونه العين المراقبة للشخصيات، ولكونها تسير من بداية العمل إلى نهايته، وأنا شخصيتي مركبة في مسلسل وحدن باعتباري أتقمص عدة شخصيات وهناك مستويات كثيرة في الأداء.
نساء في امرأة واحدة
• في رأيك هذا التعدد ألا يفقد الشخصية الأساسية جزءاً من ملامحها أو بصمتها الخاصة؟
•• لا، لأني مُسيطرة وواعية لكل الشخصيات التي أؤديها، وهذه الشخصيات تُعزز القيمة الأساسية لشخصية «أم حسن» التي تؤدي مجموعة الشخوص في العمل، وهي بشكل ما، تعزز سمات الشخصية الأساسية وتفسر من خلالها بقية الشخصيات.
• ما الغاية من هذه النوعية من الأعمال التي تحمل في ثناياها حكايا مُتخيلة في زمن طرح الأعمال الجادة والتي تطرح مشكلات الناس ضمن الحرب؟ وإلى أي حد أنت مع طرح نوعية كهذه من الأعمال؟
•• العمل مُختلف يتحدث عن الأزمة السورية، ولكننا لا نراها بشكلٍ مباشر، بل تُرخي بسدولها على أحداث العمل، وهو يفسر نفسه بنفسه، ولكن المشكلة في نوعية كهذه من الأعمال أنها تحتاج مراقبة ومتابعة دائمة، بدليل أن فقدان أي حلقة يجعل المشاهد يضيع ولا يعرف ما يحدث، لكون أعمال كهذه تُدخل الخيال مع الواقع، وهذا كله يُعزز الواقع الموجود بطريقة أو بأخرى، ولا نفهم العمل أو تفسيره كاملاً إلا في نهاية المسلسل كي نعرف ما يحدث وماذا يحاك من مؤامرات في الخلف، وأعتقد أن هذه تجربة جديدة في الكتابة للسيدة ديانا كمال الدين وفي الإخراج أيضاً للمخرج نجدة أنزور. وخاصة أنّ أنزور ملك الدراما الفانتازيّة بلا مُنازع، وهذا مسلسل خاص قد لا يفهمه عامة الناس بسهولة، وقد يكون موجه للنخبة، ولكن جمهورنا مثقف ويتجاوز المخرج والمؤلف في أحيانٍ كثيرة، وهو شكل جديد من أشكال الدراما التي تُحاكي الحرب، والحرب غير موجودة فيها، وأنا أعدّه من المسلسلات المهمة جداً، وليس بالضرورة أن كل ما يعجب الجمهور يجب أن يكون جيداً، فلستُ مع رأي الجمهور دائماً، ولكن يحق لنا بشكلٍ أو بآخر أن نُقدم أعمالاً تُناسب ظروف الحرب التي نعيشها أو فتح جديد في شكل الدراما التي نقدمها والمخرج نجدة أنزور قدم وجهة نظره في «وحدن».
الشخصية الشريرة
• دائماً نراك في أدوار متسلطة وشريرة وصعبة ويستثمرك المخرجون في نوع كهذا من الشخصيات ألا تخافي النمطية والقولبة في هذا النوع من الأدوار؟
••بعد كل هذه التجارب أنا لست ضد شخصيات كهذه، ولا أحد يحب أن يتم تنميطه أو قولبته في شكل معين، ولكن عندما نقرأ الدراما نجد أن الشخصية الشريرة هي التي تُحرك الدراما كلها، وهي تُشكل عامل جذب للجمهور، وتجذبني الشخصية الشريرة لكونها القطب الذي يُحرك أحداث العمل، ولو كانت هناك شخصيات خيرة تجذبني لاشتغلتها، ولكنني لست مستعدة لأن أقدم شخصية عادية، نوعية كهذه من الشخصيات لا تلفت انتباهي، فأنا أبحث عن الشخصيات التي تحمل إشكالية ما وتحتاج بذل الكثير من المجهود، وأنا لا أحب العادي إلا إذا كانت هناك تراكمات تجعله شخصية أساسية. هناك شخصيات عادية قرأناها عند «تشيخوف» وفي«بستان الكرز» وأي  شخصية نراها عادية، ولكن تراكماتها تُحولها إلى شخصية مُهمة، ولكن لا توجد شخصيات من هذا النوع في الدراما، فأضطر أن أبحث في الأعمال عن الشخصيات التي تحمل شيئاً مهماً، ويبدو أن الشخصيات المُركبة هي دائماً شخصيات شريرة أو مريضة نفسياً.
• شخصية «هموم» باتت الميزان لأي شخصية تقدمينها، وخاصة أن هذه الشخصية حققت نقلة نوعية ليس على المستوى الفني الخاص بك بل على مستوى الدراما، ألا تخافي المقارنة فيما بعد؟
•• ليس لدي مشكلة أبداً، فكل عمل يقدمه الفنان قد يحمل فورة لإحدى الشخصيات وهكذا كانت «هموم»، ولكن هذا لا يعني أن المرء لا يتجاوز نفسه، والشيء المهم الذي أقدمه هو من الأدوار الشريرة، فماذا أفعل؟ الشخصيات الشريرة تكتب بطريقة محبوكة فمثلاً في «زمن البرغوت» شخصية «أم صفوان» هي المُسيطرة على الحدث والدينامو المحرك في المسلسل، وأنا في طبيعتي لا تستهويني الشخصيات البسيطة بل ترهقني وتتعبني وأشعر أنني لا أقدم شيئاً، فأحاول أن أصنع من خلالها شيئاً بطريقة ما.
البيئة الدمشقية
• رغم أن دراما البيئة الدمشقية لا تستهويك إلا أنك تعملين بها؟
•• لا تستهويني معظم المسلسلات من هذا النوع، ولكن هناك البعض منها مهم، كتب بشكلٍ جيد، ودراما البيئة الدمشقية إذا كانت هي الرائجة؛ فيجب أن نُعيد النظر في هذه الدراما، لنُقدم مواضيع مُهمة، وألا نستسهل، وأنا ضد تقديم صورة المرأة بهذا الشكل، وخاصة أنه ليس هناك مصداقية لهذا الكلام، وهذه ليست المرأة السورية الحقيقية، قد تكون في حقبة من الحقبات هكذا، لكن أن تكون كل المسلسلات هي كذلك؛ فهذا أمر غير مقبول، وهناك قدمت أعمال المرأة بأسلوب مختلف في «زمن البرغوت» و«طالع الفضة» و«عطر الشام» و«حرائر» و«الحصرم الشامي». هذه الأعمال يُمكن تسميتها دراما شامية باعتبارها تحمل شيئاً مهماً على صعيد الأعمال في هذه البيئة، وأنا أدعو لجان الرقابة كي تُعيد النظر في نصوص البيئة الشامية لكونها الرائجة، وأتمنى أن يقدموا مواضيع أكثر فهماً وأكثر دقة، ماداموا يريدون هذه النوعية من الأعمال.
• رغم أن لديك جانباً كوميدياً في الحياة إلا أننا حتى الآن لم نشاهده على الشاشة لماذا؟
•• الكوميديا تحتاج الاشتغال على الشخصية مثل الشخصيات المركبة، وأنا أخاف الكوميديا، أخاف أن أكون غليظة لأن هناك مطباً اسمه التهريج، ومطباً اسمه تفاهة أو سقطة، وهذا يؤلمني كثيراً، وأنا في الكوميديا دقيقة جداً وكل ما عرض علي لم يكن جيداً.
• هل هناك ما لفت انتباهك خلال هذا الموسم من الأعمال الكوميدية؟
•• أزمة عائلية أحببته جداً العام الماضي، رغم أن الناس اختلفت عليه، وأنا أثق جداً في المخرج هشام شربتجي، وأثق بالليث حجو فأنا أشتغل مع الأستاذ هشام من كل قلبي وهو حريف الكوميديا السورية، ويُقدمها بطريقة إيقاعية ويرسمها بأسلوب مبدع بدءاً من الكلمة، ونحن نفتقد وجود أساتذة كبار مثل الأستاذ هشام شربتجي. شخصياً مع اللامشاهدة في رمضان وعرض «وحدن» هو دعاية تسويقية، فلا أحد سيتابع أو يدقق في التفاصيل، ولكن بعد رمضان تصبح إمكانية المتابعة أفضل، في خضم رمضان كل ما نتابعه من أعمال هو دعاية لمسلسلات سنراها بعد انقضاء هذا الشهر.
لا تستهويها المناصب
• المسرح هو رائحة الروح والضوء الجاذب للفنانين الآن بعد مرور عدة شهور على تسلمك منصب مديرة المسرح القومي ماذا قدمت وماذا ستقدمين؟
•• لست ضليعة بالإدارة ولا تستهويني المناصب، وليس لي مزاج فيها، «ومو شغلتي»، وعندما تسلمت مقاليد الإدارة في المسرح القومي قلت إنني في هذا المكان أستطيع أن أقدم شيئاً للمسرح القومي باعتبار أنني أفهم بالعملية المسرحية من ألفها إلى يائها، وأنا أقول بأعلى صوت: في هذه المرحلة من الحياة ومن تاريخ سورية إن أي إنسان ابتداءً من أصغر مهنة إلى أكبرها يستطيع أن يقدم شيئاً عليه أن يقدمه، وهذا واجبنا تجاه بلدنا في هذه المرحلة ونحن الآن في مرحلة إعادة البناء والتعمير ويجب إعمار الإنسان وهذا واجبنا تجاه بلدنا سورية، أن نقف معها وأنا شعرت خلال هذه المرحلة أنني أستطيع أن أكون فاعلة بشكل ما، وعلى أساسها قبلت وجودي فيه رغم أنه لا يوجد مردود مادي، وأنا في طبيعتي أعمل بمقولة «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه» هذه الحكمة الأساسية التي أعمل بها في الحياة إما أن أعمله وإما لا، نحن عززنا عدة أشياء، أولاً رفعنا قليلاً أجر الفنانين، وأسعى لتقديم الكوميديا عبر المسرح، وأرى أن الكوميديا في هذه المرحلة تخدم المجتمع السوري، وأسعى إلى تقديم الدماء الجديدة بالتعاون مع عماد جلول مدير المسارح كما أسعى ألا نتحدث عن الحرب بشكل مباشر، لأن الناس متعبة ونعمل على إعادة ممثلي الدراما التلفزيونية إلى المسرح. هي محاولات لكن الميزانية لا تساعدنا، فمن حق الممثل أن يأخذ مردوداً مادياً عالياً بعد تفرغ شهرين ونصف الشهر للعمل المسرحي يوازي جهده، الأجور قليلة ولكن الفنان أيمن زيدان قدم عرضاً مسرحياً وكذلك غسان مسعود وحالياً هشام كفارنة وفايز قزق ومحمد حداقي وكفاح الخوص، ومازال هناك أناس يحبون المسرح ويحبون أضواءه رغم قلة المردود المادي، وأنا دائماً أدعوهم وأبحث عنهم وأدعمهم وخاصة أنه لا توجد حواجز بيني وبين أي أحد.
• مشاريعك المقبلة؟
•• أستعد حالياً للعمل مع هشام كفارنة في مسرحية «رغبة تحت شجرة الدردار»، وسأظل أعمل في المسرح، وهناك رؤية واضحة نحاول عبرها تكسير الحواجز التي تصادفنا وأن نتواصل مع الناس، وهناك لجنة حالياً تقرأ نصوصاً للشباب الذين ليس لديهم تجربة أو الخريجين بشكل أساس وسيتم تقديمهم كخريجين لهم منحة إلى مسرح الشباب تشبه منحة السينما تقريباً ومازلنا في طور قراءة النصوص، من جهتي أبحث عن النصوص الكوميدية، وأرى أننا بحاجة إلى نصوص كوميدية في ظل الظرف الراهن، كما ذكرت سابقاً.

ت: طارق الحسنية

طباعة