يبدو أن الفيسبوك أفسح المجال لشطحات في التفكير، ومغامرات في القول، وضروب من الحكمة والتندُّر والظُّرْف بطريقة باهرة، «فهاك» صديقي ابتكر مبدأً فيزيائياً فلكياً حياتياً بسيطاً، مفاده أن «الأرض كروية، وإن بقيتَ مُستقيماً كما أنت، فستصبح خارج الكوكب، لذلك لا بُدَّ من الانحراف»، وهو في هذا يرد على كل الادِّعاءات التي تتهم مستخدمي الفيسبوك بأنهم باتوا خارج الواقع، يسرحون ويمرحون في عوالمهم الافتراضية، لدرجة أنهم باتوا أسرى «الوهم الأزرق» كما يُسميه بعض علماء نفس التواصل الاجتماعي.
صديق آخر أضحكني من «صمصومة» قلبي عندما كتب «أنا والله مكمِّل حياتي فضول لا أكثر، يعني حابب شوف شو بدو يصير بالآخر»، هذه المقولة الوجودية وازت ما قاله سارتر وكيركغارد ودوستويفسكي ونيتشه، ففيها تأكيد إضافي على تفرد الإنسان كصاحب تفكير وإرادة واختيار حر لا يحتاج إلى مُوجِّه صديقة ثالثة جادت قريحتها بطريقة فيها من الظرف الكثير، إذ نشرت على صفحتها: «قال لي أهلي بأنهم يريدونني أن أرفع لهم رأسهم، فأعملت ذهني كثيراً حتى وجدت الحل الأمثل، إذ أفكِّر بأن أُعلِّق لهم التلفزيون في السقف»، هذا الحل الغروتيسكي تفوَّق بغرائبيته على كل ما أنتجته الثقافة التقليدية، ورسم صورة مُغايرة لرغبات المجتمع، ولتفاعل الأبناء مع آبائهم، مُحققاً ذلك وفق رؤية توازي ما جادت به قرائح الكثير من كتاب السخرية، مثلها مثل ذاك الذي رأى ما كتبه طفل «فصعون» على صفحته الزرقاء (الجفاء بعد الوفاء حرام)، فما كان منه إلا أن علَّق له: «يا أخي أي جفاء، وأي وفاء، وأنت أربع أغانٍ لأم كلثوم أطول من حياتك كلها».
إمعان في الدهشة يُحقِّقها لي بعض أصدقائي الفيسبوكيين ومنهم شاعرة مميزة كتبت: «يتمدد باستقامة في السرير.. زوجته تتكور بجانبه.. يصنعان بجسديهما «آه».. ثم ينامان صامتين»، زخم نادر، وحساسية مختلفة في تشكيل الكلمات، وفي التقاط ما تجود به المخيلة كعنصر مُحفِّز للتفكير ومُوسِّع لرقعة المعنى.
كل هذا الجمال وهذه المُغايرة في الطرح وما زال هناك من يقول: دعك من الفيسبوك والفيسبوكيين.

طباعة