مجدداً، التهرب التأميني، فقد كشفت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن 141 قراراً فرض غرامة بحق المخالفين من أرباب العمل، لعدم تنظيمهم أو اشتراكهم بالتأمينات الاجتماعية وعدم التزامهم بالزيادات الدورية، وهذا يدلل على استمرار تحكم رأس المال بقوت العامل وكفاف يومه، وكالعادة يرجع أصحاب العمل عدم تسجيلهم لعمالهم إلى ذرائع وحجج واهية قد يختلقها البعض منهم لظروف الحرب تارة، ولوجود خسارة هنا أو هناك تارة أخرى، وما إلى ذلك.
بموازاة ذلك تؤكد شركات القطاع الخاص أنها مازالت تؤدي دورها الاجتماعي، ومازالوا يتحملون مسؤولياتهم الاجتماعية والأخلاقية، بل إنهم وصفوا العلاقة بينهم وبين عمالهم بأنها قد تصل إلى حد المصاهرة والزواج، فضلاً عن تقديم الدعم المالي لتأسيس عمل جديد لمن يثبت جدارته.
الجميع يعلم ضغوطات الحياة وقسوة الظروف والغبن واللهاث الدائم للعامل في القطاع الخاص، للحصول على كفاف يومه، ولاسيما في هذه الظروف المريرة التي جعلت منه كائناً ضعيفاً وخانعاً وخائفاً، بل حوّلته إلى شخص مستعد للصمت والتضحية بالبقية الأخيرة من إرادته وكبريائه لمجرد أن يؤمّنوا له مصدر رزق يقيه حاجة الناس، لذلك لن يتجرأ عامل واحد في هذه الحالة على تقديم شكوى يعبّر فيها عن تذمره أو تعرضه لظلم هنا أو هناك، أو حتى لقول الحقيقة بكلمة واحدة، بل في أول لحظة يحط فيها هذا العامل في هذا المعمل أو ذاك يمضي على استمارة تتضمن عدم مطالبته بتأمينات اجتماعية وغير ذلك.
علينا ألا نستهين بما ينتج عن ذلك من تبعات سلبية كبيرة تنعكس أولاً على العامل وعلى الإنتاجية وعلى المجتمع ككل عبر حرمانهم من ميزات التأمين، فضلاً عن ضياع الحقوق لأعداد كبيرة منهم.
إذاً المطلوب تشديد الرقابة من قبل الجهات المعنية، ووضع الضوابط الكفيلة بالحفاظ على حقوق العامل وإنصافه، أم إننا نحتاج أرقاماً مضاعفة غير مؤمنة حتى نعيد النظر بالقوانين الخاصة بذلك، بما يحفظ حقوقهم وكرامتهم، ولاسيما في هذه الظروف، وإلا ستبقى سياسة رأس المال هي المتحكمة بمصير شريحة كبيرة من عمالنا، ويبقى العامل هو العبد الذي يعمل بما يكفل له أن يكون حياً يرزق على وجه هذه البسيطة، وتبقى المسؤولية الاجتماعية مجرد شعارات تصلح للمناسبات فقط..!

::طباعة::