ربما نتفق مع القائل إن هناك صعوبة كبيرة في حصر التهرب الضريبي أو معرفة حجمه الحقيقي، وإن كل ما يصدر بهذا الخصوص هو مجرد تقديرات، وكم لنا أن نُقدر حجم الإهمال في معالجة هذه الجريمة المالية التي تفوّت ملايين الليرات على الخزينة.
ولأن حيل التهرب الضريبي كثيرة ومعروفة، إلا أن التشريعات الضريبية لم تستطع حتى هذه اللحظة أن تحد من تلك الحيل، فتحول النظام الضريبي إلى ما يشبه لعبة القط والفأر بين الدائرة المالية والمكلف، فالأخير يستخدم ذكاءه الذي يفوق أحياناً كل التشريعات الضريبية، ويستطيع بالحيلة والدهاء أن يتملص من واجبه تجاه الخزينة، فقط لأنه يعلم أن مراقبي الضرائب لا يملكون الخبرة الكافية في العمل الضريبي، ولقناعته أيضاً أن موظفاً في الشؤون الإدارية يستطيع أن يتحول إلى مراقب ضريبي وأن ذلك ليس مستحيلاً.
ولكن اللافت في الحيل التي أصبحت موضة في عالم التهرب الضريبي أن تلجأ بعض الشركات الكبرى إلى تقليص حجم الأرباح ورفع النفقات، وإيهام مراقبي الضرائب بحصد الشركة لخسائر تجارية مهمة، كأن يلجأ مصرف ما على سبيل المثال إلى تقديم بيانات تدل على أنه خاسر منذ بدء التأسيس، والغريب في الأمر أن الدوائر المالية تقبل بياناته من دون مناقشة، حتى إنها لا تُكلف نفسها وتسأل عن سبب استمرار ذلك المصرف بالعمل وهو يتعرض لخسائر مستمرة، هل ذلك من باب التواطؤ أو عدم الخبرة…؟
في معظم دول العالم، تلجأ إداراتها الضريبية إلى إعداد الدراسات والبحوث عن التهرب الضريبي، وتعقد لذلك مؤتمرات ضخمة ليقينها بأهمية الإيرادات الضريبية في تمويل الإنفاق العام والذي يعود بالنفع العام على جميع فئات الشعب، إلا أن هذا النوع من الدراسات والبحوث يكاد معدوماً في بلدنا، باستثناء ما يقوم به بعض الباحثين الاقتصاديين باجتهاد شخصي، وعادة ما يلقى رفضاً من الإدارة الضريبية التي تعتقد أن كل ما يصدر بهذا الشأن هو مغلوط وليس صحيحاً.
وفي ظل غياب قاعدة بيانات كافية عن المكلفين، وغياب التشريعات الضريبية التي تُجرم المتهرب ضريبياً، ستبقى منظومة مكافحة التهرب الضريبي لدى إدارتنا الضريبية تعمل بنظام «الفزعة» الذي يقوم على الإخبار فقط.

طباعة