من مرحلة التوتر الطبيعي أيام الامتحانات التي تصيب أي طالب، إلى تصاعد الاضطراب النفسي الذي يصل إلى حالة انفعالية غير متزنة، أسباب مختلفة ترتبط بالطالب وظروفه وتأثير محيطه فيه طوال فترة الدراسة، أما المسؤولية فيتقاسمها الأهل ونظرة المجتمع، إضافة إلى نظام العملية التعليمية، والسبب الأساس هو تهويل فكرة الامتحان، وضعف قدرة نظام الاختبارات على وضع الطلاب في المكان المناسب لمستوياتهم.
آراء مختلفة استطلعتها «تشرين» حول القلق الامتحاني الذي يصيب الطلاب، والأسباب التي تؤدي إلى تفاقم هذا القلق ليصل إلى مرحلة مرضيّة وأحياناً في مراحل متقدمة منها يتحول إلى تفكير أو محاولات انتحار.
مسؤولية  الأهل
الصحفية رامه شويكي، ترى أن المجتمع يساهم بشكل كبير في خلق الضغط النفسي على الطالب وأهله، فيزيد العبء الملقى على عاتقه بتحقيق النجاح والمعدل المطلوب، فترى الجميع يشعرونه بهول الامتحانات ولاسيما في الشهادتين (التعليم الأساسي والثانوي)، ويساهم الأهل في هذا الضغط، فيمنعونه من كل النشاطات الترفيهية.
أما الكاتبة رماح اسماعيل، فتجد أن الأهل دوماً يطمحون لينال أولادهم العلامات العالية، فيضعون لهم مدرسين خصوصيين ويمنعونهم من مشاهدة التلفاز والخروج للترويح عن النفس، وهذا ما يشكل ضغطاً نفسياً على الطالب فيشعر بأنه يبذل جهداً فوق طاقته، فيصاب بالاكتئاب ولا يرى أي فسحة للحياة ما يجعله في بعض الحالات يفكر بالانتحار، وتشير رماح إلى حالة سمعت عنها في إحدى قرى مدينة اللاذقية لإحدى الطالبات التي وصلت في (البكالوريا) إلى مرحلة الاكتئاب ومحاولة الانتحار، وفي النهاية لم تتقدم إلى الامتحان النهائي وفشلت في متابعة تحصيلها العلمي.
يشير غسان الشاويش إلى أن الأسباب في هذا الموضوع عديدة منها: الخوف من النتائج، ضعف القدرة على التحصيل، ضعف الثقة بالنفس، الإهمال في فترة الدراسة،  وعدم القدرة على مواجهة المجتمع بنتيجة غير مقبولة، إضافة إلى وجود خلل في نفسية الطالب بالأساس. وتحدث عن قصة عايشها قبل عشرات السنين في قريته، عن وصول أحد طلاب القرية إلى مرحلة الجنون تقريباً بعد رسوبه في الثانوية العامة.
إلى جانب مسؤولية الأهل، يجد البعض أن نظام العملية التعليمية يؤثر بشكل كبير في ذلك، حيث تقول منال غانم (أم لطالبة بكالوريا): المنهاج الضخم ووجود مواد تعتمد على الحفظ البصم، ومواد أخرى تحتاج جهداً كبيراً من قبل الطالب والمدرس، وعدم وجود وقت كاف لكل منها، إضافة إلى الأسئلة المطروحة في امتحانات بعض المواد، التي لا تعتمد على الطالب الذكي وإنما صاحب القدرة على الحفظ، كل هذا يشكل ضغطاً وعبئاً نفسياً على الطالب من قبله أولاً، ومن قبل الأهل والمجتمع ثانياً، وخاصة أن الجميع يرى أن شهادة التعليم الثانوي هي المفتاح لكل المستقبل، وتوافقها الرأي، مها محفوض، التي تجد أنه بوجود امتحانات تقرير مصير فمن الطبيعي أن يصل الطالب إلى اضطرابات نفسية وقلق، وحسب شخصية الطالب وتربيته فقد يلجأ الضعفاء منهم للتفكير بالانتحار.
القلق المرضي
وفي لقاء الاختصاصية النفسية رشا النوري، أشارت إلى ضرورة الدعم النفسي للأبناء أثناء الامتحانات، وذلك من خلال إبعاد الطالب عن وهم تهويل الامتحان، وزرع فكرة أنه ليس المهم الحصول على معدل عال أو علامة تامة،  ومساعدته على تهيئة البيئة المناسبة له للدراسة، وتعليمه أن يكافئ نفسه على الوقت الذي يلتزم به بالدراسة، ومنح نفسه الاستراحات بشكل دوري، وأخيراً تشجيعه على القيام بمهمة المدرِّس بأن يشرح لك ما تعلمه وفهمه.
وتابعت النوري: الكثير من الطلبة يعانون في فترة ما قبل وأثناء الامتحانات حالة غير مألوفة لهم توصف بالشعور بالضيق، التوتر، خفقان القلب، سرعة التنفس، تصبب العرق، ارتعاش اليدين، كثرة التفكير، عدم المقدرة على الأداء الجيد في استرجاع المعلومات، ويصنف هذا النوع من القلق بالقلق المرضي الذي تترتب عليه آثار جانبية غير مرغوبة، تتلخص في اختلاط المعلومات، الارتباك، النسيان، عدم الأداء الجيد في الاختبارات، وبالنسبة لقلق الامتحانات هو حالة انفعالية نفسية تحدث نتيجة إدراك غير متزن أو غير ناضج من الطالب لهذا الموقف، ونظرته للاختبارات على أنها مواقف تهديد له، كما أنه قد يكون ناتجاً عن رغبة قوية لتحقيق الذات، وفي كثير من الأحيان تكون هذه الرغبة مرضية بمعنى أنها نتاج قصور في الشخصية، إضافة إلى أن الشعور بأن الاختبار موقف صعب يتحدى إمكانات وقدرات الشخص وأنه غير قادر على اجتيازه أو مواجهته، يتسبب في حالة من عدم الاتزان أو ما يسمى «قلق الامتحان».
وعن العوامل المسببة للقلق من الامتحانات فهي: الشخصية القلقة، مواقف التقييم؛ وذلك أن الإنسان إذا شعر بأنه موضع تقييم يرتفع لديه مستوى القلق، أساليب التنشئة الأسرية وما يصاحبها من تعزيز الخوف من الاختبارات، دور المدرسين في بث الخوف من الاختبارات واستخدامها وسيلة «للانتقام» من الطلاب، تعاطي الطالب بعض العقاقير أو المنبهات التي يعتقد أنها تساعد على الحفظ والتفوق في الامتحان وهذا خطأ شائع، أهمية التفوق التحصيلي بالنسبة للطلاب، عدم الاستعداد بشكل مناسب للاختبار، اعتقاد الطالب أنه نسي ما درسه وتعلمه خلال العام الدراسي، صعوبة الأسئلة، عدم الاستعداد أو التهيؤ الكافي للاختبار، قلة الثقة بالنفس، التنافس مع أحد الزملاء والرغبة القوية في التفوق عليه.
وتتابع: نتيجة الضغط الشديد الذي يتعرض له طلاب الشهادات سواء التعليم الأساسي الذين هم في بداية فترة المراهقة والتي يرتبط معها الكثير من التغيرات الهرمونية والجسدية، أو طلاب الشهادة الثانوية الذين هم في مرحلة تقرير مصير لحياة كاملة ولضغط المنهاج الكبير والمواعيد الكثيرة للمدرسين الخصوصيين، والضغط الكبير من قبل الأهل، ما يؤدي إلى الوصول إلى نقطة مسدودة من التحمل والتفكير، وخاصة إذا كانت قدرات الطالب متوسطة أو أقل من المتوسط، فيدفعهم ذلك للتفكير بالعديد من الطرق للتخلص من هذا الضغط، وإحدى تلك الطرق التي انتشرت بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة هي الانتحار سواء بالأسلحة أو الأدوية أو طرق أخرى.. وهنا لا نبرر للطلاب هذا التصرف بالطبع، لأنه ليس بالتصرف الصحيح، وفي الوقت نفسه ننصح الأهالي والمدرسين التخفيف من الضغط النفسي الكبير على الطالب وألا يحملوه فوق طاقاته وقدراته سواء النفسية أو العقلية، وعليهم احترام الفروق الفردية بين الأولاد.
نصائح
وعن الأمور التي تساعد الطالب على تخفيف التوتر والقلق الامتحاني، محاولة التمتع بثقة عالية، أن ينتبه جيداً وبدقة لجدول الاختبار ومواعيد بدء كل مادة، أن يحرص على أخذ فترات منتظمة للراحة أثناء الدراسة بغية الترويح عن النفس، وتجديد الطاقة والنشاط، وتحفيز الذاكرة على الاستمرار في الدراسة، ومواصلة بذل الجهد بحماس ورغبة، وأن ينام باكراً ليلة الاختبار حتى يكون ذهنه صافياً وعقله منظماً وذاكرته قادرة على التركيز، بعد مراجعة بسيطة للمادة التي سيؤدي الاختبار فيها، وأن يستيقظ، أيضاً باكراً ويتناول وجبة الفطور فهي ضرورية كبقية الوجبات الغذائية، فالحرمان من الغذاء يؤثر سلباً في عمليات الحفظ والتذكر وتنظيم الأفكار، وأن يدخل إلى قاعة الاختبار في الوقت المحدد ولا يتأخر لأي سبب كان حتى لا يعرض نفسه للتشويش والارتباك وضياع الوقت، وألا يناقش رفاقه في المادة التي سيمتحن فيها ولا يبحث أو يستقصي عن الأسئلة المتوقعة ولا يشغل باله بالمادة التي انتهى منها لأن ذلك يربكه ويشوش ذهنه وأفكاره. وهذه الأمور على الأهل أيضاً اتباعها والانتباه إليها عندما يتعلق الأمر بأحد أبنائهم لمساعدته على تخفيف الضغط والتوتر النفسي عنه.

::طباعة::