هي (مصياف) أسواقها لا تختلف كثيراً عن أسواق العاصمة دمشق أو ريفها، أو حتى أي محافظة أخرى، نفس البضائع والسلع ، وارتفاع الأسعار، وابتزاز التجار، ومعاملات تحت الطاولة وفوقها وغيرها من مظاهر التلاعب والغش في قوت المواطن… وعلى الرغم من ذلك، فإن أسواقها يصعب  نسيانها، وتسكن ذاكرة كل مستهلك أو زائر يقصدها بعض الوقت أو حتى بقصد السياحة والعيش فيها.. فكل شيء متوافر فيها من جمال طبيعة وطيبة أهلها ومعاملتهم اللطيفة والتي تجعل منها حالة سياحية وخدمية يتوق إليها كل مواطن يعرفها أو يريد التعرف عليها..
ولكن ذلك يضيع في حالة الرقابة على هذه الأسواق وغيابها الشديد ليس على المواد والسلع فحسب، وإنما على جميع القطاعات الخدمية حيث تجد عدم اللامبالاة وفقدان المصداقية في التعامل، الأمر الذي يخلق عند المواطن حالة من عدم الانضباط في الكثير من القضايا وخاصة في ظل الأزمة الحالية التي أصبحت فيها مصياف مقصداً آمناً لمعظم مناطق القطر للسكن والتسوق لا بل حتى راحة البال.

واقع ملموس
لمعرفة المزيد عن الواقع الفعلي لتلك الأسواق (تشرين) زارت بعض الأسواق  للتعرف عن قرب على حالتها ومدى توافر المواد فيها وأسعارها التي لا تخضع لرقابة  ولا حتى رقيب يحاسبها..!
ففي الأسواق الشعبية التقت (تشرين) مجموعة من المواطنين، منهم على سبيل المثال فادي السلوم الذي قال: إن مواد السمانة تحتوي على لوائح سعرية مكتوبة بخط اليد، والبعض الآخر مدون عليها التسعيرة من مصدرها ولكن ليست هذه المشكلة وإنما المشكلة في بيعها ومدى التقيد بتلك التسعيرة وغيرها، وتالياً كل تاجر يبيع على كيفه، نذكر على سبيل المثال مادة السكر تباع بسعر270 ليرة للكيلوغرام الواحد وفي محل مجاور تباع بسعر 280 ليرة وفي محل آخر تباع فيه بسعر 290 ليرة ومادة الرز أيضاً أسعارها تتراوح ما بين 320 إلى 600 ليرة للكيلوغرام الواحد، ناهيك بارتفاع أسعار بعض أنواعها لأكثر من 800 ليرة مع ملاحظة الاختلاف الكبير  بين محل وآخر، علماً أنها تحمل المواصفة والجودة نفسيهما.
المواطن محمد الحسنة قال: لايوجد سعر موحد للسلعة لدى التجار سواء في أسواق الجملة أوفي المحال والأسواق الشعبية، فالمادة الواحدة لها أكثر من سعر وخاصة الاستهلاكية منها فعلى سبيل المثال عبوة زيت أونا وزنها 4كغ تباع بسعر 2400 ليرة وتاجر آخر يبيعها بسعر 2800 ليرة وهذا الرقم يختلف من تاجر لآخر، ناهيك باختلافه في أسواق الجملة التي تباع فيها السلع حسب رغبة التاجر ومعرفته الشخصية ومن دون ثبات سعر لأي مادة والتقيد بتعليمات التموين، نذكر على سبيل المثال، البرغل يباع بأكثر من سعر تارة بـ  250 ليرة للكغ الواحد وتاجر آخر يبيعه بسعر 280 ليرة وآخر يبيعه بسعر أعلى، وذلك حسب النوع، وهذا يباع بأسعار مختلفة ما بين تاجر وآخر، مع العلم أنه يحمل الصنف ذاته والجودة نفسها والمختلف في الأمر هو السعر ومزاجية البائع.
اتفاق في الرأي
واتفق معهم في الرأي التاجر محمد أبو الجدايل، مضيفاً أن نسبة الزيادة في الأسعار تصل في معظم الأحيان وخاصة لجهة الزيوت النباتية والمواد التموينية الضرورية لأكثر من 30% بين تاجر وآخر وحتى في السوق الواحدة وهذا الأمر  ينطبق على أسعار الخضراوات والفواكه أيضاً فالبندورة يتراوح سعرها ما بين 200 – 250 ليرة للكغ الواحد والخيار مابين 110- 130  ليرة والباذنجان بأسعار تتراوح ما بين 92- 110 ليرات والليمون البلدي تتراوح أسعاره ما بين 325 – 450 ليرة،  ولكن تفاوت سعر المبيع يضع حولها الكثير من التساؤلات عن العديد من المواد المذكورة وخاصة أن مصياف تتوسط منطقة زراعية بامتياز..؟
أما مادة البطاطا فلم تعرف استقراراً في توافرها ولا في أسعارها باعتبار الأمرين مرتبطين مع بعضهما ولكن في كل الأحوال أسعارها تراوحت ما بين 100- 130 ليرة للكيلو غرام الواحد وفي بعض المناطق في مصياف تباع بسعر 150 ليرة، حسب جشع التجار وحاجة المواطن لها. ويضيف أبو هشام أن هذا التباين والاختلاف في مستويات الأسعار يعودان لضعف الرقابة على الأسواق وفقدان هيبتها على التجار.
التاجر محمود ضوا قال: إن الأسعار بالشكل العام ليست موحدة وغالباً ما يلتزم التجار بسعر محدد ولكن في الوقت نفسه لايوجد تاجر لا يريد البيع وزيادة الحركة التسويقية لديه والتلاعب بالأسعار تترافق مع حجم توافر المادة في السوق وخاصة لجهة الزيوت والسمون وهذه لم تشهد استقراراً في أسعارها منذ فترة طويلة، نذكر على سبيل المثال، سمنة الأصيل وزن 2كغ كانت تباع قبل فترة ليست بالبعيدة بسعر 1700 ليرة وسمنة الخير تباع بسعر حوالي 1100 ليرة لوزن 2كغ، ومادة المرتديلا فكل ماذكر من عدم استقرار ينطبق عليها من ناحية السعر وبيعها بأسعار تتفاوت بين تاجر وآخر وهذه الزيادة تتراوح مابين 15- 30% في النوع الواحد حيث تباع مرتديلا «هنا» بسعر 300 ليرة والتغذية بسعر 675 ليرة وهذه الأسعار ذاتها تختلف من تاجر لآخر سواء كانت تباع بالمفرق أو جملة.
أسواق مخصصة
ولمعرفة المزيد عن أسواق مصياف فقد جالت «تشرين» في أسواق مخصصة لأصحاب الدخول الأكثر من ميسورة والعائلات المرتفعة الدخل فإن أسعارها لا تشبه أسواق الحمراء والصالحية وأبو رمانة بدمشق إلا بالسعر العالي وتختلف عنها بغياب اللوائح السعرية والبيع وفق الزبون وحاجته.
وخلال لقائنا بعض المواطنين في تلك المحلات منهم فايز إبراهيم  ومحمود بصل فقد أكدوا أن السعر لايعنيهم بقدر ما تعنيهم جودة المادة المطلوب شراؤها وتالياً رواد هذه المحلات ذوو نوعية خاصة قادرة على التسوق ودفع قيمة السلعة مهما كانت مرتفعة وهذا الارتفاع واضح من خلال الاستفسار عن أسعار بعض السلع المعروضة، نذكر على سبيل المثال طقم رجالي معروض للبيع أحد المحال التجارية بسعر50 ألف ليرة وفي محل آخر يباع بسعر 35 ألف ليرة وفي السوق نفسه يباع في أحد المحال بسعر 20 ألف ليرة ويتمتع بالجودة نفسها وهو من الماركة نفسها وسلعة أخرى من ملبوسات الأطفال فهناك طقم ولادي يباع بسعر متفاوت بين محلين متجاورين الأول يبيعه بسعر 6000 ليرة والمحل الثاني يباع فيه بسعر 4500 ليرة.
وعندما سألنا التاجر بشار (وهو يمثل رأي معظم التجار) عن هذا التباين الشديد في الأسعار بين تاجر وآخر وعدم التزامهم بوضع اللوائح السعرية على السلع المتوافرة لديهم أفاد بكلمات مختصرة بأن محلاتهم مخصصة لعائلات بعينها ولزبائن محددة ولا يقصدها إلا أصحاب الدخل المرتفع وتالياً معظم السلع المتوافرة تحمل صفة الأسعار المرتفعة.
الحال من بعضه
الحال من بعضه فتجار سوق الهال ليسوا أحسن حالاً من غيرهم فهؤلاء يعيشون في عالم آخر فهم من يحدد الأسعار حسب تجار المفرق والمحال التجارية في مناطق الريف وهم  يحددون نسب الأرباح ليس في سوق الهال فحسب بل في أسواق المفرق أيضاً وهم من يتحكمون بالتسعيرة زيادة أو نقصاناً مستغلين حاجة المواطن للسلع والمنتجات وخاصة الاستهلاكية منها وخاصة أسعار المواد والمنتجات الزراعية لكون مصياف تتوسط منطقة زراعية وتتمتع بموقع قريب منها كمنطقة الغاب والساحل وغيرها.
وأثناء جولتنا في السوق وجدنا تفاوتاً في أسعار السلع، نذكر على سبيل المثال مادة البندورة تاجر جملة يطلب 100 ليرة للكغ(أرض السوق) وآخر يطلب سعر 120 ليرة والبعض الآخر يطلب 115 ليرة للكغ وهذا ينطبق على معظم المنتجات والسلع المتوافرة في السوق، وتالياً هذا التفاوت واضح جداً ويفسر ذلك التاجر محمد حسنة بصعوبة تأمين المادة من مناطق الإنتاج  إضافة لارتفاع أجور النقل وخاصة أصحاب  الشاحنات حيث يطلبون أجور النقل مضاعفة، فعلى سبيل المثال الحمولة التي يحتاج نقلها أجور نقل تقدر بحوالي 20 ليرة يطلب صاحب شاحنة النقل 100ألف  ليرة وتالياً هذه الزيادة ستضاف إلى سعر المنتج أو المادة التي تباع بغض النظر عن التكلفة الفعلية للمادة قبل نقلها وحتى هامش الربح منها.
تجارب نوعية
في طبيعة الحال الأسواق لا تخلو من حالات فريدة في نوعها  من حيث التعامل والمعاملة في الأسواق، إذ هناك بعض التجار يتعاملون مع السوق والمستهلك بواقعية تامة واحترام لمقدرة المستهلك الشرائية حيث يقوم هؤلاء بتأمين السلع بأسعار مناسبة وجودة متميزة للمستهلك فالتاجر رياض حسنة في قرية الحريف التابعة لمنطقة مصياف والبالغ عدد سكانها أكثر من خمسة آلاف نسمة ويمتلك من القناعة في الربح القليل تشكل حالة وطنية وإنسانية نادرة في عالم أسواقنا المحلية المملوءة بتذبذبات الأسعار وجشع التجار حيث يشكل سوقاً لتجمع قروي يزيد عدد سكانه على أكثر من  50 ألف نسمة وربحاً قليلاً في المادة يتراوح مابين 5-  10% وأحياناً أقل..
حيث يقول التاجر رياض قناعتي في البيع الكثير وهامش ربح بسيط جداً وهذا بدوره يوفر لي ثلاثة أهداف في وقت واحد: الأول مراعاة الحالة الاجتماعية للمواطنين والثاني البيع السريع والثالث هامش ربح قليل يحقق سرعة في سرعة دوران رأس المال بدليل أن سعر البيجامة الرجالية 3000 ليرة وهامش ربحها  لايتجاوز 500 ليرة في حين تباع في الأسواق الأخرى بسعر لا يقل عن 9000 ليرة، والبيجامة الولادية مبيعها 2000 ليرة في حين تباع في المحال التجارية الأخرى بأكثر من 5000 ليرة، وهناك ألبسة ولادية تباع بسعر مابين 800 ليرة و1800 ليرة علماً أنها تباع بمحلات تجارية بضعف السعر المذكور مع التأكيد على توافر المواصفة والجودة المطلوبة في السلعة المبيعة  ولكن الربح القليل يولد البيع السريع من جهة، وتوسيع دائرة الزبون باستمرار من جهة أخرى.
والسؤال المهم عن هذه الظاهرة: كم تحتاج أسواقنا المحلية لمثلها وتكريسها بشكل يحقق الغاية الاقتصادية والاجتماعية لأي نشاط تجاري على مساحة المنطقة..؟
حركة مستمرة
ما شاهدناه من حقائق في السوق حملناها ووضعناها في مرمى رئيس شعبة حماية المستهلك في مصياف -نادر اسماعيل الذي أكد أن عدد المراقبين الفعليين لديه لا يتجاوز تسعة مراقبين بمن فيهم رئيس الشعبة، والسؤال الذي يطرح نفسه أمام التوسع الجغرافي لمنطقة مصياف والتي يتبع لها أكثر من 112 قرية وعدد سكان يزيد على 72 ألف عائلة أي حوالي نصف مليون نسمة: فماذا يفعل هذا العدد من المراقبين لحماية السوق وخاصة إذا أدركنا أن لكل 56 ألف نسمة مراقباً واحداً، وتالياً كيف يراقب وما النتائج التي يحققها في مراقبة السوق بحركته التجارية والإنتاجية وغيرها..؟
وعن التباين في أسعار السلع والمنتجات أكد اسماعيل أن دوريات الحماية في حالة متحركة لتلبية الشكاوى في أسواق المدينة وريفها ولكن التوزع الجغرافي وقلة العدد يظهرنا في حالة تراجع وعدم القدرة على ضبط الأسعار، وعلى الرغم من ذلك يتم تنظيم ما بين 60- 70 ضبط مخالفة في الشهر مع جاهزية الدوريات على مدار الساعة  لمعالجة أوضاع السوق  وهي في حالة استنفار دائم.
وأوضح اسماعيل  أن هذا الرقم لايعطي مؤشراً للأداء وخاصة العمل الرقابي يتم من خلال التركيز على نوعية المخالفة والخطورة التي تمثلها على صحة المواطن.
وفي الأزمة الحالية يقول اسماعيل: دورنا  لم يقتصر على العمل الرقابي فحسب ومكافحة المخالفات وقمعها بل في حل المشكلات والمصالحة بين التاجر والمواطن صاحب الشكوى  وذلك من أجل تحقيق الاستقرار وإيجاد نوع من الثقة بين الطرفين..!
ورداً على سؤالنا عن كيفية تفعيل دور الرقابة في منطقة مصياف أكد اسماعيل أنه لا بد من تعديل إداري يسمح بتحويل الشعبة إلى دائرة تتمتع باستقلال إداري وحرية كاملة في العمل وتوسيع نشاطها من خلال زيادة عدد المراقبين وتنويع صلاحياتها وإحداث شعب لاحقة كشعبة حماية المستهلك وحماية الملكية وأخرى للعينات وغير ذلك من إجراءات تسمح بتفعيل أداء حماية المستهلك في المدينة.
المستهلك أهمُّ مراقب
واستكمالاً لجوانب الموضوع، فقد أكد  مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك  في حماة -زياد كوسا ضرورة تعاون المستهلك مع الجهاز الرقابي والإبلاغ مباشرة عن أي مخالفات وخاصة المواد الاستهلاكية من المواد الغذائية كاللحوم والزيوت والألبان وغيرها، ونحن من دون شكوى لا نستطيع التحرك وملاحقة المسيئين من التجار وخاصة أن معظم المواد والسلع محررة لا نتدخل بها إلا في حالة عدم الإعلان عنها أو مخالفة بالجودة واللعب بالمواصفة.
أما فيما يتعلق بقلة عدد المراقبين فقد أكد كوسا أن الوزارة قامت مؤخراً بإجراء دورة تدريبية لتأهيل  حوالي 60 متدرباً من الفئة الأولى معظمهم مهندسون لممارسة العمل الرقابي وسيتم فرزهم على الشعب التابعة للمديرية منهم شعبة مصياف.
ويؤكد كوسا: على الرغم من ذلك فإن هذا العدد لا يكفي لتأمين الرقابة  أمام الانتشار الجغرافي الواسع للمحافظة وريفها  لذلك نجد بعض التجاوزات في عمليات البيع والشراء وحدوث نوع من الابتزاز من قبل ضعاف النفوس من التجار وهذا موجود ليس في مصياف فحسب، بل في معظم محافظات القطر، وتالياً الرقابة لاتكفي وحدها لقمع المخالفات فلابد من تعاون المواطن قبل أي شيء لمعالجة ما يحدث في السوق من إساءات في الريف والمدينة على السواء، وذلك من خلال التوعية المباشرة للمواطن والتخلص من ظاهرة ثقافة (خطية) التي يمارسها المواطن يومياً ومبادرته إلى الإبلاغ عن أي مخالفات مهما كان حجمها عندها نحصل على رقابة مثالية ومعالجة منطقية لجميع المخالفات وفق القوانين النافذة.

::طباعة::