بعـد غـياب، ومن دون سابق إنذار عادت الانهيارات والتكهفات الأرضية إلى منطقة رأس العـين شمال غـرب الحسكة سواء في المدينة أو في الريف المحيط بها، الأمر الذي تسبب بموجة من الهلع لدى سكان المنطقة، خوفاً من انهيار منازلهم فوق رؤوسهم وحدوث ما لا تحمد عقباه لا سمح الله.
ففي شارع الشبيبة في حي العـبرة في المدينة ظهر قبل أيام تكهف جديد نتيجة انهيار طبقات الأرض بشكل مفاجئ، من دون حدوث إصابات، وأفادت إحدى السيدات القاطنات في الشارع بأن التكهف بعمق 5 أمتار وقطر مترين. وأوضحت: في وقت سابق مرت آلية ثقيلة فوق هذا الشارع، ما أدى إلى هبوطه، ومع الأيام تفاقم الأمر أكثر فأكثر، ومن خلال المتابعة تبين أن خطوط المجرور أيضاً تعرضت للكسر وتسربت منها المياه إلى التربة.
كما حدث انهيار أرضي في شارع آخر أدى إلى ظهور تكهف تسبب بتضرر وتصدع عدة منازل.
وتسببت الأمطار التي هطلت في نهاية شباط الماضي بحدوث انهيار أدى إلى ظهور أكبر تكهف من نوعه في أحد الأحياء في المدينة، بعمق وعرض 10 أمتار.
وبجانب الطريق الواصل بين قريتي تل ذياب والحلبية جنوب رأس العـين ظهر تكهف نتيجة انهيار طبقات الأرض من دون وقوع إصابات، وأفاد بعض سكان المنطقة بأن التكهف بعمق 4 أمتار يمتد من أسفل التربة إلى الطرف الآخر من الطريق ما يشكل خطراً على حركة المرور بين القريتين. وأوضح هؤلاء السكان أن ظهور التكهف يعود لطبيعة التربة المكونة من الصخور الكارستية والتي تتماسك بالرطوبة وتتفتت عند الجفاف مسببة التكهفات.

الدراسات تعيد أسباب الانهيارات إلى اختفاء المياه الجوفية ما أدى إلى تشكل ممرات فارغة

أربعة انهيارات كبيرة
ولأن موضوع عودة الانهيارات والتكهفات الأرضية إلى منطقة رأس العـين من الخطورة بمكان، إضافة إلى أنه ظاهرة لافتة للنظر، قررنا متابعـته إعلامياً، حيث ذكر بعض أهالي المنطقة أن شوارع المدينة شهدت خلال السنوات الثلاث الفائتة ظهور أكثر من 30 تكهفاً، بينها 10 تكهفات ظهرت خلال شباط وآذار الماضيين.
وعندما يخبرنا بعض أهالي رأس العـين أن الانهيارات الأرضية والتكهفات عادت إلى المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة فهذا يعـني أنها توقفت عـدة سنوات، أو ربما استمرت بالحدوث إلا أن أحداً لم ينتبه إليها، وذلك لأن المعـلومات التي في حوزتنا تشير إلى أن آخر الانهيارات والتكهفات تعود إلى عام 2006 ما يعـني أن تلك الانهيارات عادت للظهور بكثرة بعـد عـشر سنوات.
فقد حدثنا المهندس مزاحم الرزة عضو مجلس محافظة الحسكة حالياً عن منطقة رأس العـين ورئيس مجلس مدينتها سابقاً، أن انهياراً حدث أمام أعينهم ظهيرة الاثنين 17/4/2006 في شارع سعـد زغلول بجوار مقر مجلس المدينة، أدى إلى حدوث تكهف ضخم عـبارة عن حفرة عميقة وعريضة.
ويؤكد المهندس الرزة أن هذا الانهيار لم يكن الأول في رأس العين في تلك الفترة، بل كان الرابع بهذا الحجم طبعاً، الانهيار الأول حدث في منتصف شهر تموز من عام 2005 ضمن موقع منتزه مشوار بشكل قمع قطره بحدود 5م وعمقه 7م، ما أدى إلى غـور عـدد من الأشجار والطاولات والكراسي والمولدات الموجودة في المنتزه، وشاءت العناية الإلهية أن تقتصر الأضرار على ذلك من دون إصابة أحد من الزوار.
وحدث الانهيار الثاني في تاريخ 4/9/2005 بالقرب من مجفف الذرة الصفراء بطول 25م وعـرض 12م وعمق 25م، حيث فوجئ الفلاحون في قرية تل حلف بانهيار الأرض بشكل مفاجئ وسريع في حقل مزروع بالذرة الصفراء إلى الجنوب من عين الزرقاء، ما أدى إلى تشكل تكهف بيضاوي متصل بنفق يتجه نحو منطقة الينابيع المغذية لنهر الخابور والجافة حالياً، وفي تاريخ 9/4/2006 حدث الانهيار الثالث خلف الصالة الاستهلاكية مخلفاً تكهفاً بقطر 7م وعمق 10م، أما الانهيار الرابع فحدث في تاريخ 2006/4/17 والذي تحدثنا عنه في بداية هذا الموضوع. ‏
ويضيف المهندس الرزة: لم تكن الانهيارات الأرضية تحصل في 2006 بل قبل ذلك بسنتين أي منذ 2004 من دون أن يثير ذلك انتباه أحد، لأن الانهيارات محدودة وصغيرة نسبياً وضمن الأراضي الزراعية، ما أدى إلى الاعتقاد بأن السبب في ذلك يعود إلى السقاية، إذ توجد شرق المدينة أراضٍ زراعية تحوي 11 انهياراً، لكن الموضوع أخذ يكبر شيئاً فشيئاً مثل كرة الثلج، كما أخذ يغادر الأراضي الزراعية باتجاه وسط المدينة، فقد حدث انهيار صغير جانب مقصف سيروب الصيفي في شهر حزيران 2005 وبعده بشهر تقريباً حدث الانهيار الذي لفت الأنظار في منتزه مشوار وصار حديث جميع السكان، حصل بعد ذلك انهيار كبير في منطقة عين الزرقا، وانهيار آخر قريب من المنطقة نفسها. ‏
أما ضمن المدينة فحدث في الشهر الرابع من عام 2006 انهياران يفصل بينهما 10 أيام فقط، الانهيار الأول حدث جانب صالة بيع المستهلك فوق أحد الأنهار تحت سطح الأرض نتيجة ضعف التربة، ما أدى إلى تساقط المجرى تدريجياً حتى وصل الانهيار إلى ما تحت طبقة الزفت من دون أن يظهر أي شيء يدل على ذلك على السطح حتى كشفت حفرة صغيرة حدثت في الحديقة العائدة للصالة بفعل السقاية المستور وحصل الانهيار، والانهيار الثاني كان جانب مجلس المدينة وهو يشبه الانهيار الأول بيد أن حصول الانهيار لسقف مجرى النهر القديم ووصوله ــ أي الانهيار ــ إلى أسفل الخط الرئيس للمجرور أدى إلى حصول فراغ تحت الخط ما جعله معلقاً في الفراغ رغم أن هذا الخط هو الوحيد في المدينة المنفذ بشكل جيد ومصبوب بيتونياً وليس قساطل. وكانت النتيجة أن انهار المجرور، ما سمح للمياه المتدفقة منه بتكبير الانهيار وزيادة مساحته وجرف المزيد من التربة. ‏
البداية من نبع الكبريت 2 ‏
وإذا كان المهندس مزاحم الرزة قد قال إن الانهيارات بدأت منذ 2004 فإن للمهندس عـبد الرزاق العـواك -مدير فرع الموارد المائية كلاماً آخر، حيث أخبرنا أن الانهيارات الأرضية في رأس العين ليست جديدة بل قديمة، وتعود بدايتها إلى عام 1962 وربما إلى أبعد من ذلك، لكن هذا ما هو مثبت لديهم، ففي ذلك العام انتبه الناس لظهور حفرة دائرية في الأرض على بعد 6 كم عن مدينة رأس العين، وسرعان ما أخذ ماء أخضر اللون يتدفق من تلك الحفرة، التي أخذت بالاتساع حتى صارت حفرة دائرية كبيرة يتفجر منها ماء أخضر زاهٍ يدور حول نفسه بقوة عظيمة، حتى ليبدو كأنه يغلي قبل أن يفور ويندفع خارج إنائه الترابي الأحمر، منطلقاً في مجرى متعرج شديد الانحدار تتصدره صخور بيضاء إلى أن ينتهي في بحيرة صغيرة، يتشكل عندها شلال جميل ومتسع، تمتزج بعده مياه النبع الكبريتية بالمجرى العام لنهر الخابور، هذا النبع ما هو إلا نبع الكبريت2 الذي لم يـُعـرف له قـرار حتى الآن، لأن أحداً لم يتمكن من الوصول إلى قعره بعد، رغم غوص الكثير من السباحين المهرة إلى أعماق كبيرة فيه، وهو أحد المصادر الرئيسة لنهر الخابور. ‏ هذه إذاً بداية الانهيارات الأرضية في رأس العين، حسب التاريخ الذي حدده المهندس العواك، لكن يبدو أن أحداً لم ينتبه إلى أن ظهور نبع الكبريت2 كان نتيجة انهيار أرضي، لأن رأس العين مشهورة بالينابيع والعـيون الكثيرة التي وصل عددها، حسب الجغرافيين والمؤرخين العرب، كياقوت الحموي وابن حوقل والمسعودي والاصطخري وغيرهم إلى 360 عيناً ونبعاً. أي أن وجود نبع أو انبجاسه في هذا المكان أو ذاك يعد من الأمور والظواهر الطبيعية في رأس العين، ولاسيما أن الانهيارات الأرضية دخلت في حالة كمون بعد ذلك العام ولم تنشط إلا عام 2004 واستمرت مدة عامين ثم توقفت لتعـود بعد 10 سنوات أي في 2015 للظهور من جديد كما ذكرنا.
‏استنزاف المياه ‏ هو السبب
في إحدى الدراسات للدكتور المهندس محمد محفوض المختص بالجيولوجيا يبين أن حوض الخابور جزء من حوض الفرات الهيدرولوجي إذ يقول: «إن خزان تشكيلة الجريبي الكلسي الكارستي ــ الذي تنتمي له منطقة رأس العين (المحرر) ــ كان مشبعاً بالماء، الأمر الذي كان يحافظ على بقائه متماسكاً بفعل ضغط المياه الجوفية، حتى إذا انخفض مستوى هذه المياه وفرغ الخزان من مائه أصبح أقل مقاومة لضغط الطبقات الواقعة فوقه، ما جعل نقاط ضعفه تنخفس وتحدث هذه الانهيارات، ولهذا لابد من البحث عن تلك الكهوف التي فرّغها نقص المصادر المائية من مائها، إما بسبب نقص الساقط المطري وإما بسبب الإمعان في استنزاف مائه بشكل جائر. ‏
وتكاد تتفق كل الآراء الأخرى التي استمعنا إليها أثناء إعداد هذا التحقيق الصحفي مع رأي د.محفوض ‏ فها هو المهندس مزاحم الرزة عضو مجلس المحافظة عن منطقة رأس العين يقول: «إن السبب للانهيارات التي حدثت داخل المدينة وخارجها هو قلة المياه والسحب الكبير لهذه الثروة» ثم يستمر بشرح وجهة نظره بقوله: «إن المياه القديمة التي كانت تملأ المنطقة ومجاري الأنهار تحت الأراضي والتي كانت تغذي 360 نبعاً وعيناً أصبحت مصدر خطر لأن هذه الأنهار شكلت ممرات فارغة تحت سطح الأرض بعد أن انحسرت المياه عنها، ومع الزمن بدأت أسقف هذه الممرات تتهدم بفعل الجفاف وهذه هي طبيعة الطبقات الصخرية التي كانت تحمل تلك المياه، وعند وجود عامل مساعد صارت الانهيارات أكثر وأسرع كما حدث في الأراضي الزراعية». ‏
انهيارات تحت سطحية
والرؤية نفسها تقريباً قدمها لنا المهندس عبد الرزاق العواك -مدير فرع الموارد المائية لكن بطريقة علمية حيث يقول: تمتاز منطقة رأس العين وخاصة منطقة الينابيع بكونها حفرة ائتكالية، أثرت فيها عمليات الحت والترسيب الناشئة عن نقل مياه نهر الخابور والينابيع المحلية والمياه السيلية المتدفقة من الجبال والمرتفعات المحيطة برأس العـين، كما إن لحقيات الحقبة الرباعية التي تغطي بسماكات كبيرة معـظم المنطقة الشمالية للجزيرة العليا تصبح في منطقة رأس العين معدومة أو ضعيفة السماكة، ما يظهر بعض طبقات من الصخور التجميعـية أو الركامية والحجر الكلسي المستحاثي المنسوب لطور الميوسين الأعلى، وتعد الحوامل المائية هذه من النوع التشققي ــ الفراغي، حيث تتناوب عدة طبقات حاملة للمياه تفصل بينها مستويات حاجزة رقيقة نسبياً. ‏
وتتعرض المستويات الستاتيكية للمياه ضمن مناطق ينابيع رأس العـين خلال السنة إلى تراوحات مهمة أي هبوط مناسيب، ما يعرض الصخور الكارستية الانحلالية المتشققة إلى إجهادات قص داخلية، ناجمة عن عدم استقرار في النظام الهيدروديناميكي، ونتج عن ذلك وبشكل طبيعي مظاهر انهيارات تحت سطحية، تترافق مع ظهور انخفاسات كارستية على شكل أقماع أو أخاديد محلية. وهذا ما حدث في الموقع الذي حصلت فيه الانهيارات حيث تعد هذه المظاهر طبيعية وفقاً للظروف الجيولوجية والهيدرولوجية لمنطقة رأس العـين. ‏
ولابد من الإشارة إلى أنه نتيجة الاستجرار الزائد للمياه الجوفية من الآبار الزراعية حصل هبوط في مناسيب المياه في المنطقة ونتيجة موسم الأمطار في هذه السنة، إضافة إلى النشاط البشري المتمثل بسقايات الموسمين الصيفي والشتوي، وكذلك قدم شبكة الصرف الصحي في مدينة رأس العين، كل هذه العوامل لعبت دوراً مهماً في تسارع حدوث الانهيارات الأرضية والتكهفات في المنطقة. ‏
‏دراسة فنية علمية ‏
وفي دراسة سبق أن أعدتها شركة هيدروسكوب الأرمينية بتكليف من رئيس مجلس الوزراء عن الانهيارات الأرضية والتكهفات في رأس العين وكيفية معالجتها. ‏
فمن خلال دراسة الانهيار الحاصل في القسم الجنوبي من مدينة رأس العين في الشارع المار على امتداد الحديقة العامة لشارع سعد زغلول بالقرب من مدرسة كيفورك مارتينيان في بداية ومنتصف الشارع تقول الشركة إن الانهيار حدث في الدولوميت الكتلي ضعيف التماسك «غالباً» المتخلخل بشكل كبير والذي يحتوي في بعض الأماكن على طبيقات وعدسات ناعمة في المارل الضعيف في التربة نفسها حدثت تقريباً جميع الانهيارات التي تم اكتشافها في المنطقة نفسها وعلى الأعماق نفسها، تتوضع تحت الإسفلت على الدولوميت ترب غضارية رملية مع مواد حطامية بعمق حتى 2.5 م. ‏
وأوصت الدراسة المعدة بما يلي: ‏
1 ـ إملاء الفجوة بالحجارة وحقنها بالبيتون، أما الانهيار الأساسي فيملأ بالحجارة مع التربة ويرص. ‏2 ـ إصلاح أنبوب الصرف الصحي بالشكل الذي يمنع تسريب المياه أو نقله إلى مكان آخر. ‏
3 ـ بما أن تسربات المياه ضمن حدود المدينة من أنابيب مياه الشرب والصرف الصحي تؤثر بشكل كبير تشكل الظواهر الكارستية فإنه من الأفضل كإجراء وقائي القيام بكشف وصيانة دوريين على هذه الشبكات ومنع تسرب المياه منها. ‏
‏ومن خلال هذه الدراسة يتضح أن شركة هيدروسكوب تتفق ــ مبدئياً ــ مع التفسيرات السابقة التي قدمناها لظاهرة الانهيارات الأرضية في رأس العين وأسبابها. ‏
‏ودراسة جيوهندسية تحت كل منشأة ‏
علاوة على العقد الموقع مع شركة هيدروسكوب الأرمينية لدراسة الانهيارات الرضية والتكهفات في رأس العـين وكيفية معالجتها تم توجيه مجلس المدينة ومديرية الخدمات الفنية والجهات المعنية الأخرى وقبل الشروع ببناء أي منشأة مهما كانت، بتنفيذ دراسة جيوهندسية وفق النورمات العالمية تحت أساسات تلك المنشأة للتأكد من عدم وجود تكهفات كارستية تحتها، كما تم التوجيه باستبدال مجرور المدينة القديم الذي تساعد المياه المتسربة منه على حدوث الانهيارات. ‏
إضافة إلى اتخاذ العديد من الإجراءات الاحتياطية، كمنع دخول الآليات الكبيرة إلى المدينة، والتنسيق مع نقابة المهندسين للقيام بما يلزم بالنسبة للأبنية وتشكيل لجنة للسلامة العامة والكشف على خطوط المجرور. ‏
ومع تقديرنا لكل هذه الإجراءات والجهود التي تبذل نتساءل: إلى أي مدى ستساهم في الحد من الانهيارات الأرضية في رأس العـين؟ أم أن الأمر بات بحاجة إلى إجراءات أخرى أكبر؟.
aqtini58@gmail.com

طباعة