تمثّل الفكرة التي نسعى إلى بسطها امتداداً للفكرة الشائعة في عالم السياسة بخصوص الغاية التي تسوّغ الوسيلة، وما أكثر الكوارث التي نشأت عن اعتماد الوسائل الدنيئة الشريرة من أجل الغايات التي يدّعي مرتكبو جرائم الحرب أنها غايات نبيلة، ولن نمضي بعيداً في استحضار الأمثلة، فالولايات المتحدّة هي الوحيدة -إلى الآن- التي استعملت القنابل النووية في الحروب، تحت شعار إنجاز السلام بوصفه غاية نبيلة تبرّر أسوأ جرائم الإبادة الجماعية التي شهدتها البشرية في العصر الحديث. هذا شائع وراسخ في الذاكرة الإنسانية التي تستهتر بها الدوائر الغربية قاطبة. والمضحك المبكي في الآن ذاته، أنّها اليوم تكرّر الجرائم نفسها، بشراسة أفظع، ووقاحة أكثر فظاظة، تحت المزاعم (النبيلة) نفسها.
ما يحدث في عالم الأدب لا يقلّ خطورة عمّا يحدث في عالم السياسة. ولا يحتاج الأمر إلى جهد خاصّ من أجل بسطه وشرحه، فالنصيب الضئيل الذي يحظى به الإنسان من (الأنْسنة) هو الأساس في لجوء الجنس البشري -فرديّاً وجمعياً- إلى ممارسة التوحّش، وشنّ الحروب الكبرى. والأدب في طليعة الوسائل التي استعملتها البشرية في سياق إنتاج إنسانية الإنسان، وترسيخها، وتنميتها، على مستويي سعة الانتشار وعمق الترسيخ، ولذلك، نجد أنّ الذهاب الممنهج باتجاه تهميش الأدب، وتتفيهه، وتحييد تأثيره إلى ما يشبه الإلغاء، يشكل سبباً أساساً في إنشاء التوحّش البشري، ودفع البشرية باتّجاه المكْننة القصوى، والابتعاد عما يجعل الإنسان إنساناً، وهذا (النهج) صار بمنزلة برامج سياسية للعمل، تلتزمها جهات رسمية وغير رسمية، على المستويات المحلّية والعالمية، والسبيل المعتمد لتتفيه الأدب، وتحييده عن الفعل المرجوّ في حياتنا المعاصرة، ماثلٌ في دفع النصوص الرديئة التي يتخمنا بها المشهد الثقافي المعاصر إلى صدارة المشهد، وجعلها تحيا وتنتشر بوصفها (كلّية الأدب)، ويجري إنجاز ذلك بتلقائية سلسة عندما يتسنّم زمام الأمور الثقافية أشخاص لا نصيب لهم من الأدب، بدلالتيه النصّية والسلوكية.
الأدب ليس مطيّة لطرح الأفكار والمواقف، فالوسيلة الأدبية هي التي تجعل الأدب أدباً، ولذلك يستهدفها الأديب بوصفها غاية في حد ذاتها، ونستحسن التذكير بما ذكره ماو تسي تونغ بشأن الفنّ، عندما ذهب إلى أن «الفنان الذي يتحدّث عن قضايا الشعب بطريقة رديئة، يسيء إلى قضيّتين نبيلتين معاً، هما قضية الشعب وقضية الفن»، والمشهد الثقافي الراهن متخم بأولئك الذين يرون أنّ مجرّد تناول قضية الشهداء، وقضايا الوطن، يكفي لجعل نصوصهم الرديئة تجد طريقها إلى صدارة المشهد الثقافي، بكل ما في فعلهم من (قلّة أدب).

::طباعة::