تبدأ رواية «البيت الأندلسي» لـلروائي الجزائري واسيني الأعرج بالبحث عن مخطوطة ذات رائحة غريبة، ماسيكاأوسيكا بنت السبنيولية لأن أمّها إسبانية فسميت بهذا الاسم، وهي من أصول موريسكية مثل الآلاف من سكان الجزائر، يومها قفزت ماسيكا من على الحائط الخلفي للحديقة، لتجد نفسها في عمق دار الخدم التي كان يسكنها عمها مراد، ساعتئذ، سحب المخطوطة من مكانها السري، وبدأت حكاية «البيت الأندلسي»، وهي قصة بيت يمكن أن تحيل هندسته إلى قيم ثقافية وهندسية وعمرانية حضارية قديمة، فقد طرد الجدّ الأوّل «غاليلوالروخو» من مدينته غرناطة، تاركاً وراءه حبيبته «ميمونة» التي سمّى عليها البيت لاحقاً، فيقسم أن يبني لها بيتاً في غرناطة، وهو ما سيفعله في الجزائر، ومع حملة الطرد الأخيرة في عام 1609، تلحق به حبيبته ميمونة، ويعيشان فيه قبل أن ينسحبا من الحياة، تاركين وراءهم الأبناء والأحفاد للقيام بذلك، لأن البيوت المهجورة تموت أيضاً من جراء وحداتها، يحوّل الأتراك البيت لاحقاً إلى قصر ابنة خوجا المال العمياء، وقد اشتراه لها والدها لحمايتها من مفاجآت الحياة، وعندما يحتل الفرنسيون الجزائر يحوّل البيت إلى دار لراحة نابليون الشتوية، لأن الجوّ المتوسطي في الجزائر معتدل، ويحوّله جونار حاكم الجزائر، وهو مثقف كبير، في مطلع القرن العشرين إلى مكان لتعليم الموسيقا الأندلسية، وكان معجباً بها، ويريد الحفاظ عليها، وقد جلبت سياسته المتعاطفة مع الثقافات المحلية في الجزائر كثيراً من المشكلات، انتهت بإقالته، وبعد الاستقلال يتحوّل البيت إلى مكان لتعذيب المساجين، قبل أن يصبح ملهى ليلياً تتردد إليه طبقة من الرجال المتنفذين.
وفي الحملة المحمومة لبناء الأبنية العالية وظهور بورجوازية البازار، تم شراؤه لتهديمه وتحويله إلى برج الأندلس، على الرغم من إصرار مراد آخر أفراد السلالة، ومحاولته اليائسة على إبقائه والحفاظ عليه، وكأنّها حقبة بدأت مع البيت وزالت بزواله.
وتخبرنا ماسيكا شيئاً عن المخطوطة، فالتلاميذ يحاولون قراءة صفحاتها، وفك حروفها الصعبة، وكلما توصلوا إلى إيجاد الكلمة والمعنى تغمرهم السعادة، وكثيراً ما كانت تعجبهم الرسوم المحيطة بالكلمات وختم الفقرات بألوان زاهية وجميلة، وعندما استمتعوا بالمخطوطة وعرفوا سرّها وجمالها، خرجوا إلى حديقة بيت الخدم، وتشرح لهم طبيعة المكان الذي هم فيه، ولماذا انفصل عن بقية الدار، ثم المواد البنائية التي شيدت بها الدار، ثم النموذج الأندلسي الذي صبغت به، وطبيعة البيت الأندلسي، سر النوافذ الصغيرة والملونة، كيف عشّقت بمواد تقاوم الطبيعة، كوات صغيرة كافية لعبور نسمة الحياة، كانت تفتح لترى من خلالها زرقة البحر، طبيعة الزجاج التي تخفف من قوّة الشمس، وإذا ما درنا حول الحديقة، سنشم مسك الليل وأشجار البرتقال والليمون والزيتون والكروم، ونملأ كفوفنا بنوار الياسمين، وسوف تحدث التلاميذ عن التاريخ التفصيلي للرجل الذي بناها سيدي أحمد بن خليل ليهديها لحبيبته سلطانة، التي تركت كلّ شيء وراءها وجاءته مغمضة العينين في سفينة مثقلة بالخوف والهاربين من بطش محاكم التفتيش.
أمّا المخطوطة فهي تحكي الأيام الأخيرة من الأندلس، ترصد سقوط غرناطة يوماً بيوم.
إننا نجد شخصيات متماسكة في رؤيتها، وفي خطابها، وهو ما يدلّ على صياغة القيم ودمج الإنسان في المجتمع، إنها نتاج ذات فاعلة ومتقاسمة مع ثنائية الوعي الفعلي والوعي الممكن. وقد ظهرت رواية البيت الأندلسي حميمية مع عنصر الزمن، فقد أبرزت صراع الطبقات من خلال ارتباطها بالأحداث والتواريخ.
البيت الأندلسي كوّنت رؤية حول هوّيتها، لأنّها رواية متأصلة في خطابها، ويثبت هذا التأصيل: الثقافة التي تتمتع بها، وتاريخ تراثها السردي الزاخر من قصص وأخبار وممالك وأساطير وحكايات.
ولكن هل الكاتب مجبر على إعادة المادة التاريخية؟ يجيبنا الروائي واسيني الأعرج عن ذلك: «الحقّ كلّ الحق أن يترك فسحة حقيقية للحرية، من دون نسيان المؤشرات المباشرة، الارتباط بالمكان، وبالمادة التاريخية قد يحرم النصّ الروائي من جوهره، لكونه رواية وليس تاريخاً، صحيح أنّ المادة التاريخية وزيارة الأمكنة، والتشبع بها لتأسيس الرواية أكثر، مهمة جدّاً، إذ يمكنها أن تدخل الرواية في دوائر الأزمة الماضية التي انتهت كوجود وبقية رائحتها عالقة بالحيطان، فإذا كان تلمس المكان وتحسسه يجيد من عملية التخييل والتعرف المباشر عليه يدفع بحواس الشمّ والبصر والسمع واللمس إلى الاستيقاظ بقوة والعمل بشكل جماعي لإشباع الرواية ببقايا التاريخ وعلاماته المتبقية».

طباعة