في كتابه «السرد يُنكِّل بالتاريخ: رتابة السيرة وانتهاك الواقع» (دار نينوى- دمشق) يضيء سعد محمد رحيم على العلاقة المتشابكة بين الرواية والتاريخ، عادّاً الرواية عملية تنكيل وتحرّش بالتاريخ، فالروائي هنا خيميائي يسعى عن طريق اللغة والخيال والتجربة، أن يقع على الوصفة السحرية لذهب المخيّلة، لكنه خلال عمله على الوهم سيتمكّن من فضح «فجوات التاريخ»، في المنطقة الفاصلة بين الخيال والحقيقة وبما يشبه الاستجواب، متكئاً على «أحابيل الكتابة الروائية» لمراوغة الممنوعات في تصوير الواقع المعيش، وهو ما يحدث في كتابة السيرة أيضاً لجهة الكشف والنسيان أو «الذاكرة الانتقائية» في تأثيث الوقائع بما لا يؤذي الذات ومحيطها، في أول عملية تخييل لتزوير الحقائق، وتالياً لا كتابة أصيلة من دون مكاشفة «الكتابة افتضاح/ الكتابة انتهاك» يقول. ويضيف موضحاً إن السرد الأدبي يعمل على معاينة الواقع من زاوية مختلفة لتعرية خرائطه السريّة، وإماطة اللثام عن الوجه الآخر المهمل والذي أقصي عمداً في عمل المؤرخين، فوثيقة ما قد تغيّر منظومة الأرشيف القديم، كما في بعض روايات أمبرتو إيكو وصنع الله إبراهيم وعبد الرحمن منيف، حتى إن إسماعيل كادريه في روايته «الوحش» يشكّك بوجود حصان طروادة بكل ثقله الواقعي والرمزي، واضعاً افتراضات منطقية في سعيه لكشف «خديعة المؤرخ القديم وأضاليل التاريخ»، إذ إن اختراع مثل هذا الحصان الخشبي الهائل كان القصد منه إخفاء الفظائع والجرائم والمذابح «لا عن عيون عصرهم بل عن عيون العصور القادمة»، وهو ما يفعله خوسيه ساراماغو في روايته «تاريخ حصار لشبونة» باستنطاق التفاصيل وإعادة التاريخ المكتوب إلى غرفة التحقيق «يفككه ويفضح خفاياه، ويهتم بما هو إنساني وأرضي أكثر مما يهتم بما هو من حصة الميتافيزيقيا»، ويتساءل الروائي والناقد العراقي: إلى أي مدى علينا أن نثق بما يقوله المؤرخون، وهل هناك قيمة للاعتذار أو الإصلاح بفوات الوقت؟ في فصلٍ آخر يتناول «السرد والمكان» مقتفياً أثر نجيب محفوظ في حفرياته السردية للقاهرة القديمة، وخشية روائيين آخرين من تعيين المكان الروائي للتعمية والتقيّة لعدم مواجهة واقعهم بجرأة، و«صناعة أمكنة مؤنسنة». على الضفة الأخرى للمكان سنتعرّف على «سرديات المنفى« أو «أحابيل التاريخ في جسد الجغرافيا» كحصيلة لهجرة المثقف وعذابه بين «مكانين وثقافتين» وفقاً لمقولة إدوارد سعيد عن كتابة المنفى ومكابداته بين آليتي الذاكرة والنسيان، ذلك أن «عابر التخوم» ستشغله أسئلة الهوية في المقام الأول التي ستنبثق عنها سرديات «السيرة والمنفى والأوطان المتخيّلة» عبر التدوين السيري لتمثّل الهوية والوطن المتخيّل بجرعة نوستاليجية عالية.

طباعة