«سراج الملوك» لمؤلفه الطرطوشي، هو الكتاب الذي سارت في فلكه مقدمة ابن خلدون، فخفت نوره وأفلت بدوره، وقد وصلنا الكثير من نسخه، أهمها: مخطوطة مكتبة فيينا، المكتوبة في (القرن 7هـ) وكانت مما حمله إلى فيينا (هامر بورغشتال) (ت1856م): ممثل إمبراطور النمسا في اسطنبول، وقد تُرجم الكتاب إلى عدة لغات أوروبية، منها إلى الإسبانية بعناية (ماكسمليان آلاركون) سنة 1930م، وترجمه إلى الفارسية محمد صدر الدين سنة 1036هـ. وطبع أول مرة في الاسكندرية سنة 1289هـ وقد جاء في هذه الطبعة أنه فرغ منه في مصر يوم 10/ رجب/ 510هـ وهو خلاف المشهور، قال ابن خلدون في مقدمته: (وكذلك حوّم أبو بكر الطرطوشي في كتابه سراج الملوك، وبوّبه على أبواب تقرب من أبواب كتابنا هذا ومسائله، ولكنه لم يصادف فيه الرميّة، ولا أصاب الشاكلة، ولا استوفى المسائل ولا أوضح الأدلة، وإنما يبوب للمسألة ثم يستكثر من الأحاديث والآثار، وينقل كلمات متفرقة لحكماء الفرس وغيرهم… وكأنه حوّم على الغرض ولم يصادفه… ونحن ألهمنا الله ذلك إلهاماً… إلخ) ويبدو أن كلمة ابن خلدون هذه كانت السبب في طباعة المقدمة سنة 1894م وعلى هامشها (سراج الملوك)، ولتفسير هذه الكلمة نقول: إن ابن خلدون ألف مقدمته المشهورة أول مرة لتكون كتاباً في تدبير الملك، وذلك في مدة خمسة أشهر من انقطاعه في قلعة ابن سلامة، حيث انقطع فيها أربعة أعوام متخلياً عن الشواغل كلها، من شوال 776هـ إلى رجب 780 قبل هجرته إلى مصر، قال: ثم نقحته بعد ذلك وهذبته، وألحقت به تواريخ الأمم. فوقع في المقدمة من هذه الزيادات ما تضاءلت به صلتها بسراج الملوك، ألف الطرطوشي كتابه للمأمون البطائحي: الوزير الفاطمي (المصلوب يوم 4/ رمضان/ 519هـ) الذي دبر اغتيال الوزير ابن بدر الجمالي، الملقب بالملك الأفضل شاهنشاه، يوم (23/ رمضان/ 515) وأطلق الطرطوشي من الإقامة الجبرية التي ألزمه بها الجمالي في مسجد الرصد جنوب الفسطاط، سنة 515هـ بسبب فتواه بتحريم الجبنة المستوردة من بلاد الروم، وقضى في تأليف الكتاب سنة كاملة، وحمله إلى البطائحي في شوال 516هـ، وأودع فيه بعض مشاهداته أثناء رحلته إلى الشرق، قبل هجرته إلى الاسكندرية، التي احتل فيها منزلة كبيرة، عبّر عنها ياقوت بقوله: (ناشر العلم في الإسكندرية، وعليه تفقه أهلها).

::طباعة::