يصادفني في الحياة الكثير من السمجين سميكي الدمّ، والبخلاء، والنقّاقين المتذمرين الذين ينشّفون البحر بكلمة، أو أولئك الذين انتفخت ذواتهم كما حبّة الحمّص المنقوعة بالماء.. وكلّهم أستطيع من مبدأ إنساني أو بتبرير سرديّ روائيّ شاعريّ أن أتفهمهم وأتعاطف معهم وأتخيل الحياة التي عاشوها فأوصلتهم إلى ما هم عليه، لكن كل هؤلاء بكفّة، وذاك الموظف المرتشي «على عينك يا تاجر» بكفة أخرى، وهو ما لم أستطع تفهمه وتبريره، ويجعلني أكاد أضرب كل من يفعل ذلك في المؤسسات الخدمية التي من المفترض أن تكون عوناً للناس في تقاعدهم ومرضهم وأمور حياتهم وآخرتهم لا أن تجلب لهم آخرتهم!.
تصوروا.. كان البعض أيام زمان يدفع من تحت الطاولة بكل الحذر والخجل والرعب «بقشيشاً» بسيطاً (يسمّيه متلقو الرشاوى حق السكر والشاي أستاذ!)، لكي يمرّروا أمراً غير قانونيّ أو مخالفاً للقرارات في هذه الوزارة أو تلك، وكان المواطن والموظف المرتشي «يحوصان ويلوصان» لكيلا يراهم أحد وتقع الفضيحة.. اليوم باتت حالة الرشوة وكأنها الأمر البدهي أينما ذهبت، المواطنون «المعترون» يجهزون الخمسمئة أو الألف في أيديهم منتظرين أن يعطف عليهم ذاك الموظف الآمر الناهي الحاكم بأمره من وراء مكتبه، وأن يجيبهم عن تساؤل ما أو ليكمل لهم ورقة رسمية نظامية يُشعِرهم وهو يعطيهم إياها بأنه قطع الفيافي والقفار ليخدمهم فيها، بينما هو كان قد كدّسها مع غيرها في درج الغبار، وفتح درجاً آخر ليعطوه «المعلوم»!
أعلم أننا لا نعاني نقصاً في القوانين التي تجرّم ذلك، لكن «الحكي مو متل الشوفة» و«الرشوة تجعل النفوس ليّنة والقانون مطّاطاً».. ولن أحدّثكم عن الرشاوى الكبيرة التي تجلب الأموال الخطيرة، إنما سأغني لكم ما قاله الرحابنة في مسرحية المحطة: «رشاوي رشاوي، والكلب خي الواوي».

طباعة