ذاك الفيلسوف الذي قال إنكَ لا تعبر النهر ذاته مرتين، كان بحق يبذر في النّفس بعض الشكّ والقلق، كلّما تكرَّر فعلٌ في الحياة، بمقتضى الضّرورة!
فلو رسمَ الخيالُ الطُّرقات التي قطعتُها منذ غادرت البيت الأول لبَدَت خيوطاً تشابكت على نبتة شوك عاصية على منحدر جبليّ، لا بداية لها ولا نهاية! ولا يجمّل الطريق إلا الهدفُ الذي ينتهي إليه, أمّا القول بأن الطريق هو الهدف فليس إلا مواساةً لمن طال به المسير وأتعبه وعثاء السّفر، ولطالما كانت الأسفار في وسائط متواضعة تمخر الحرّ والقرّ وتفتقر لأبسط قواعد الرّاحة، ما أشبهها بالحياة، سائرةً ومتوقّفة، بحيث يحسب المرء أنّه يكرّر الطُّرق نفسها والمُشاهدَات نفسها والمعالم نفسها، حتى إذا حدثت طفرةٌ، انطوت الأمكنة الرماديّة وفرغَت كلُّ الحقائب الثقيلة، وهدأ الغبار وانبعثت مسرّات كانت طيَّ تعب المسير!
قالت لي ذات صباح: -سأمرّ بك لترافقيني في سفر قصير، لا يحتاج حقيبة ولا زوّادة ولا جواز سفر! وخطْفاً كنّا معاً في سيّارة «جيب» تتقلقل على طرقات غير ممهّدة، والطّقس مرتبك بين شمس ساطعة وريح ناشطة، ولا شيء في إدراكي إلا أننا نيمّم شطر الجنوب الذي لم يسبق لي أن عبرت طريقه وأنّها تتفحّص جهاز تسجيلها وهدير محرِّك السيّارة يتداخل مع الدّورة الدّموية ويكاد يربك طبيعتها! –انظري وراء تلك التّلال! هناك العدوّ! ما كنت أراه في تلك اللحظة هو غابات السّنديان التي طرّزت الأرض بخضرة داكنة وجذوعٍ هندَستْها عناية إلهية فكادت تبدو في الضّوء، متشرّبة بفضّةٍ قد تكون بَقايا ينابيع مستَسرّة إلى أجَلٍ غير معلوم، أو سَفْحَ مطرٍ لا يعرف مواعيدَ منتظَمة، واشتدّ ضوْعٌ أخضر نفَذَ من الشّباك المجاور لمقعدي، ليحملني على بساط الرّيح السّحري، هابطاً المنحدرات، طالعاً إلى ذرى الضّوء، وكلُّ السّفر الذي كان، بدا محطّات تلاشت كحكايات الوسَن! –ترجّلي! نحن في «عين التّينة»! قمّةٌ شاهقة تلك العين، ينحدر تحتها وادٍ يعجُّ بالأزهار البرّيّة مثلَ سلّة قصب هائلة تختبئ في مخمل ألوانها الصّاخبة، شقائق نعمان قانية، تنتظر شاعراً يفكُّ رموزها، هناك في الأعماق، حيث لا زائر ولا مُزارِع ولا راعي أغنام! وما لبث السّحاب أن أقبل وجثَمَ فوقنا ووقفت الشَمس مقابلنا كأنها مرآة ترصد ولادة الكون: -انظري! تلك «مجدل شمس» التي سيخرج فرسانها للاحتفاء بالسابع عشر من نيسان، رغم أنف عدوِّنا الوجوديّ!
كنتُ في ملتقى الفصول الأربعة، على قمّة العالم، ومسار الشّمس، ويقظة الأكوان، والسّفر الذي يضاهي رحلة الحياة المقدّسة التي صنعها نيسان!

طباعة