ربما لأنهنّ الأكثر خسارة في الحروب، كان وجعهنّ مُضاعفاً في أزمنة الخراب الكبير، ومع ذلك كان على النساء أن يعدن الجمال إلى ما خربته الحرب في كلّ مرة، وذلك بأكثر من نوعٍ إبداعي الذي على ما يبدو ملاذاً وإن كان «مجازاً» للمرأة ربما كرد فعل، أو مُعادل لواقع لا يهدأ على وجع.
ومن هذه الخطوات، كان معرض «امرأة ووطن» الذي هو نتاج فني لعشر فنانات من اتجاهات فنية مُختلفة من الخزف الذي قدمته الفنانة إملي فرح إلى اللوحات المائية لسوسن جلال، ثم الشغل بالألوان الزيتية للكثير من هؤلاء الفنانات: مُفيدة الديوب، صريحة شاهين، ميساء عويضة، وغيرهنّ. بمعنى أنّ التنوّع كان سمة معرض «امرأة ووطن» سواء كان بالتكنيك، أو بالأجيال المُختلفة التي قدمت تلك اللوحات التي تحتفي بها جدران صالة ألف نون في دمشق ووجدت كل منهنّ ركناً دافئاً احتضن أعمالها، كما تنوّعت الأعمال بشواغل اللوحة وغاياتها وإن ذهبت جميعها صوب الجمالية البصرية على حساب «فكرنة» اللوحة أو العمل الفني رغم عدم غياب هذه الغاية في بعض الأعمال كما عند صريحة شاهين، لكن ما يجمع بين هذه الأعمال أكثر؛ كانت في هذه الرقة الأنثوية المُفعمة بالمشاعر الملونة، وهنا نُسجل ما قاله الفنان التشكيلي بديع جحجاج صاحب الصالة ومُنظم هذا المعرض بهذا الشأن، ومن خلال هذا القول نتعرف على المُشاركين في هذا المعرض: «قُلت لحنان الشامي إنها تُشبه لوحاتها المائية؛ شفيفة القلب والروح، وكذلك همست لسوسن جلال؛ بأنها تختصر كل الزهور في جنات الرب، وعندما تمرون بالقرب من لوحات مفيدة ديوب؛ سوف تستشعرون ترنيمات لقصة لن تملوا الاستماع لها.. وأما لوحات لبنى أرسلان؛ فهي بوح رقيق لأسرار الأخوات، والشاهد عليها كان دوماً وردة، إنها عفاف خرما العذبة حيث غبار الباستيل الملون الذي يعج في الفراغات تذروه الرياح ليملأ الأمكنة بالذكريات.. وإملي فرح؛ هي بذاتها فرح مسكوب في جرار معتقة، سيدة الخزف، هكذا قالها أزرق البحر الذي عجن تراب المسافات، فصاغها بحرارة القلب زهوراً وأسماكاً تطير من الفرح.. وقلت لميساء عويضة؛ إن كل الأسرار الموشاة تحت الأزرق العميق سوف يبوح بها الشعر يوماً فينسج أحلاماً لوجوه هاربة وحمائم تحلم بالحرية.. وعندما تمر إلى لين البطل؛ ستعلم أن الاختلاف سوف يأخذنا إلى كل العصور حيث تمتزج الثقافات ولا يبقى إلا نتفاً لخطوط ترسم أفكاراً تدفعك إلى التأمل، وهوري سلوكجيان بنت حلب وكل أطفالها ورموزها وألوانها المسكوبة على سطح متآكل تحكي دفء القلب وجمال الروح اسألوا تلك الحمامة البيضاء عند النافذة وسوف تعرفون كل الحكاية، وسندرك عبر صريحة شاهين بوح تلك الجذور الممتدة إلى أعماق الأرض المؤنثة بأن كل حواسها مرهونة للغائب الذي قدم روحه قرباناً للوطن..».
ولعلّ العناوين التي وضعتها الفنانات لتعريف اللوحة؛ تُلخص شواغل العمل الفني الذي كثيراً ما يذهب صوب الحالة الشعرية، وهو ما تصيغهُ تلك الفنانات لوناً كما عند مُفيدة الدّيوب، أو خطوطاً كما عند صريحة شاهين ولين البطل، أو غواية لونية صرفاً عند سوسن جلال وميساء عويضة، بينما تذهب كل من حنان الشامي، وهوري سلوكوجيان صوب منحى آخر، وهو الاشتباك مع الواقع ولحظته بدل السفر اللوني البعيد، وأما لبنى أرسلان؛ فربما تأخذ من كل اتجاه سابق تكثيفاً لملامح جمالية خاصة.
وحدهما إملي فرح وعفاف خرما؛ ستبتعدان إلى أكثر ما تكون المُفارقة، الأولى بحامل شغلها الفني، وأقصد بذلك الخزف الذي نوعت عليه تلويناً وكتلة، وذلك بالاستفادة من هذا الميراث البعيد في فنون الخزف السورية العتيقة الذي ظهر بالأطباق والأباريق والصحون وغيره من فنون سورية في الأرض القديمة، وهي التي زادت في تلك الجماليات باطلاعها على كل ما قدّمه الغرب من تقنيات واتجاهات جديدة في هذه الفنون التشكيلية النادرة التي تجمع بين الفني والنفعي الوظيفي في العمل الفني.
وأما عفاف خرما؛ فقد اشتغلت على الطبيعة الصامتة بألوان خاصة، وتقنية مُغايرة، جعلت من ذلك «الصمت» همساً لونياً خافتاً وساحراً.
في الكتابة الصحفية التي تتناول أعمال أكثر من فنان في معرض مُشترك، أكثر ما يخشاه الصحفي؛ هو «الانزلاق» الذي يبدو أنه لا مفرّ منه، إلى استحالة إعطاء الحق لكل تجربة بما يفيها حقها، أو تناول تجربة أكثر من غيرها، وهذا ما تحكمه مثل كتابة كهذه، ولاسيما أن حجم المُشاركة لكل فنانة يحتاج وحده مقالاً خاصاً به، ولكن ما يشفع لها – للكتابة الصحفية – هي الحكاية الخبرية في مهرجان لوني؛ تنوعت فيه الاهتمامات، والصياغات اللونية، وتكوين اللوحة وعمارتها.

::طباعة::