تغطية إعلامية واسعة حظيت بها زيارات ولي العهد السعودي محمد ابن سلمان لكل من بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا والتي استمرت أربعة أسابيع، وكانت زيارته لبريطانيا سابقة على الزيارات الأخرى واستمرت ثلاثة أيام من 8 آذار الماضي وحتى العاشر منه، قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة بعد عشرة أيام من هذه الزيارة.
اللافت أن التغطية الإعلامية بالعموم كانت أكثر من إيجابية وبصورة أثارت استغراباً كبيراً، إذ إن الإعلام الغربي لطالما خالف حكوماته – التي تجمعها مصالح المال والسلاح مع بني سعود- ليهاجم ابن سلمان نفسه والسياسات السعودية عموماً، وليس أي هجوم فالإعلام الغربي يتحدث بكثير من الحدة والقسوة والعدائية الشديدة.. فما الذي تغير؟
يُقال: إذا عُرف السبب بَطل العجب.. والسبب في تلك التغطية الإعلامية الإيجابية هو الحملة الدعائية الهائلة – مدفوعة الأجر – التي اعتمدها ابن سلمان قبل وخلال هذه الزيارات لتصب كل الأخبار والتحليلات- كما قرأنا وسمعنا وشاهدنا- في إطار الترحيب به وإغداق المديح له.. أموال هائلة صُرفت ومُنحت للوسائل الإعلامية التي ارتضت الانخراط في نفاق الترويج لـ«ابن سلمان» والتي لم تقتصر على الإعلام بل امتدت لوضع «بوسترات» عملاقة ترحيباً به خصوصاً في بريطانيا الأكثر رفضاً لهذه الزيارة على المستوى الشعبي وحتى الإعلامي.
الحملة الدعائية تركزت على وسائل إعلام الدول التي زارها ابن سلمان.. ولكن هناك دائماً من يشذ عن السرب.
ما لم تظهره عدسات الكاميرات نقلته قلة من وسائل إعلام غربية كانت خارج دائرة هذه الحملة الدعائية، سواء رفضاً منها للانخراط فيها، أو استبعاداً لها منها، وفي الإعلام كما في السياسة هناك أيضاً من يعمل بأسلوب الابتزاز، وفي حالة ابن سلمان فإن بعض وسائل الإعلام لا تنظر إليه إلا كخزنة أموال متنقلة تسعى للحصول على حصة منها، ولا بأس ببعض المديح قبل أن يعود الوضع إلى حاله ويعود الجميع لمهاجمة آل سعود وسياساتهم.
هنا ومن باب الشفافية لابد من ذكر أن بعض الإعلام الغربي الذي شملته حملة ابن سلمان لم يسكت طويلاً، وآثر إلا أن يسجل موقفاً للحقيقة والتاريخ.
تحت عنوان «ابن سلمان بنسخته الأمريكية: ترويج لانفتاح كما تحبّه واشنطن» أفردت مجلة «نيويوركر» الأمريكية، في عددها الأسبوعي الذي سبق الزيارة مقالاً مطولاً عن صراع الأمراء في الرياض والذي وصل إلى درجة تنذر بإراقة الدماء.. وكيف أن ابن سلمان لولا دعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يكن ليفوز في هذا الصراع خصوصاً بمواجهة شخصية قوية متنفذة مثل الأمير محمد بن نايف الذي كان وزيراً للداخلية(وكان ترامب تبجح أكثر من مرة بأنه هو من هندس انقلاب ابن سلمان على أمراء العائلة ليصبح المرشح الوحيد للعرش، لذلك فإن ابن سلمان مستعد لإعطاء ترامب كل ما يريده).
وعن الأزمة الخليجية، تتهكم نيويوركر وتسخر من جهل ترامب ومن سياساته غير المنطقية تجاهها، ونقلت المجلة الأمريكية عن دبلوماسي أمريكي سابق، قوله: إنّ حماسة ترامب تجاه ابن سلمان كانت مدفوعة جزئياً بالجهل، قائلاً «أنا مقتنع بأنّ ترامب لم يكن يعلم أن لدينا قاعدة عسكرية في قطر.. لم يكن لديه أي فكرة!». أما ما يخص اليمن، فإن المليارات التي وزعها ابن سلمان كانت كفيلة بإسكات الجميع عن جريمة الحرب الإنسانية التي يقترفها بحق الشعب اليمني باعتباره صاحب قرار الحرب على اليمن وقرار الاستمرار بها. وعن ذلك تقول صحيفة «واشنطن بوست»: إن شركات الأسلحة التي تبالغ في التودد لابن سلمان، دفعت ترامب الى عدم ذكر اليمن أثناء اجتماعه معه.
بينما رأت مجلة breakingdefense الأمريكية، أن دعم واشنطن لآل سعود في عدوانهم على اليمن يعد بمنزلة كارثة استراتيجية أدت إلى زيادة الفوضى الإقليمية وعززت الأزمة الإنسانية الأكثر حدة في العالم. أما منظمة «هيومن رايتس ووتش» فقد استمرت في الدعوة لمساءلة ابن سلمان، وحثت الكونغرس مراراً على اتخاذ خطوات ملموسة في هذا المجال، ولتذكير ابن سلمان بأنه لن يستطيع نفض يديه من الأهوال والمجازر التي يرتكبها ضد الشعب اليمني، وأكدت المنظمة أن بيع ترامب أسلحة إلى قوة عسكرية تستخدمها بشكل غير قانوني يعرِّض مسؤولي الولايات المتحدة للمساءلة بتهمة التحريض على ارتكاب جرائم حرب.
أيضاً كتبت «واشنطن بوست» في مقال للكاتب آدم تايلور تحت عنوان « كيف حولت زيارة ابن سلمان لندن إلى ساحة حرب علاقات عامة.. مريرة وخرقاء».. كتبت عن الحملة الدعائية الكبيرة التي أغرقت شوارع وساحات لندن بالبوسترات العملاقة لـ«ابن سلمان» ترحيباً به، مشيرة إلى تكاليفها الضخمة التي تتعارض مع الحملة ضد الفساد التي أطلقها ابن سلمان. هذه الحملة أثارت حرباً حقيقية بين من رحبوا ودعموا الزيارة ومن حاولوا منعها ووصفوه بأنه مجرم حرب حسب تعبير الصحيفة.
وتحدث تايلور عن ابن سلمان بصفته مهندساً للحرب على اليمن وقال: إن القصف العشوائي الذي تنفذه السعودية في اليمن أدى إلى نتائج كارثية على المدنيين اليمنيين، وفاقم الأزمة الإنسانية، التي تعد الأسوأ على وجه البسيطة
ويضيف: هذا وضع غير مريح بالنسبة لرئيسة الوزراء تيريزا ماي؛ لأن بريطانيا تعد داعماً رئيساً للسعودية في مجال السلاح، وبحسب التقديرات، فإن نسبة بيع السلاح البريطاني للسعودية زادت بمعدل 500%، ووصلت إلى 6.4 ملايين دولار.
وفي مقابل حملة الترحيب، يشير تايلور إلى أنه في وسط لندن كانت هناك حافلات مكتوب عليها «مجرم حرب» وعبر كثيرون على مواقع التواصل الاجتماعي عن رفضهم الزيارة قائلين: إن لندن لا ترحب بولي العهد، بينما ركن ناشطون من منظمة «أفاز» شاحنة صغيرة أمام البرلمان، وعليها دعوة لتيريزا ماي، بأن عليها إبلاغ ابن سلمان هذه الرسالة: «أوقفوا الحرب وابدؤوا التفاوض من أجل السلام».
في بريطانيا، كتبت صحيفة الغارديان تحت عنوان «لا تتاجروا بقيمنا»: إن ابن سلمان يسوّق نفسه للغرب على أنه حاكم ليبرالي إصلاحي سمح للمرأة السعودية بقيادة السيارة ودخول ملاعب كرة القدم والغناء على المسارح واصفة هذه الخطوات بأنها مزيفة. وطالبت الصحيفة تيريزا ماي بوصفها قائدة بريطانيا باستغلال قوة المملكة المتحدة لأجل الخير وعدم الانسياق وراء إغراء المال باتجاه التحايل على القانون لضمان تدفق استثمارات بمبلغ 100 مليار دولار عبر شركة النفط السعودية.
وتقول الغارديان: إن الحرب على اليمن التي تعد إحدى مغامرات الأمير تحولت إلى أسوأ كارثة إنسانية في العالم، مضيفة: «..وياللعار فإن الأسلحة البريطانية تستخدم هناك ويقدم مساعدون بريطانيون خدماتهم لإطالة عمر الحرب وإضافة المزيد من المعاناة للمدنيين».
بدورها صحيفة الـ«اندبندنت» كشفت أن الحملة الدعائية التي أغرقت شوارع بريطانيا ومواقعها الإلكترونية على الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي كلفت آل سعود مليون جنيه استرليني في اليوم الواحد (1.4 مليون دولار) بينما تواصلت الحملة طوال فترة زيارة ابن سلمان التي استمرت ثلاثة أيام.

طباعة