هل أتاك حديث ترامب عن «مشيخات الفستق»؟
نجزم بأنه أتاك.. وإذا لم يأتكَ فنحن سنعمل على إتيانه لك وعرضه وشرحه.
لن نقول: إن مصطلح «مشيخات الفستق» من اختراعنا أو من اكتشافنا أو أننا من أسقطه على عربان الخليج، فنحن لا نريد التعدي على «حقوق» ترامب في كونه صاحب ذلك المصطلح الذي يحلو له أن يطلقه في حضْرة «أهل الفستق» أنفسهم من أمراء ومشايخ حتى يكاد يتحول إلى مصطلح يدخل التاريخ كما حال مصطلح «جمهوريات الموز» الشهير.
يُعاير ترامب مشيخات الخليج بما يُفترض أنه مصدر قوة ونفوذ لهم (أي المال الذي هو لكثرته كالفستق بين أيديهم) كما يقول ترامب الذي يطالبهم بحصّة منه!! وطبعاً كلمة «حصّة» لا تنطبق على واقع الحال فهي كلمة مهذبة جداً لوصف كيف يُعامل ترامب «مشيخات الفستق»، هو يريد كل الأموال مع طأطأة رؤوسٍ وتقبيل أيدٍ وحتى الركوع.. ولا يعتقدنّ أحد أن ترامب يعامل هذه المشيخات «نداً لند» بل يعاملهم كأُجراء لا أكثر ولا أقل رغم أن الأرض أرضهم والمال مالهم، ولكن، ما العمل إذا كانوا هم أنفسهم لا يرون أنفسهم إلا كأجراء؟! هنا لا عتب على ترامب، رغم كل فجوره، ولا على غيره.
يُعاير ترامب أمراء ومشايخ الخليج علناً وعلى الملأ بأنهم لولا بلاده أمريكا لما بقوا على كراسيهم أكثر من أسبوعين، وكلهم بسعر واحد لا فرق بينهم.
أول مرة قالها ترامب خلال استقباله المدعو محمد بن سلمان ولي عهد النظام السعودي في 20 آذار الماضي، ولم تهتز شعرة كرامة في رأس ابن سلمان الذي «يتمرجل» فقط على أهل بيته (وأهل الأمة)، ذلك لأنه أصلاً بلا كرامة.
ابتسم ابن سلمان- الأمير الفُستقي- رداً على توصيف ترامب.. ربما ظن أن كلمة «فستق» مديح، من يدري؟ فأمثاله لا ينقصهم «العبط» اعتقاداً بأن هذا الفستق سيحميهم في لاحق الأيام، فلا يؤكلون كما «أُكل الثور الأبيض».

لم تنته بعدْ عملية «الجَلب» التي بدأها ترامب منذ أواخر آذار الماضي وافتتحها بالصبيّ محمد بن سلمان الذي تبعه أمير مشيخة قطر تميم بن حمد.. بينما لا يزال محمد بن زايد على قائمة الانتظار أياماً أخرى.
عنوان «الجَلب» ظاهرياً هو ما يُسمى إعلامياً عملية «مصالحة» بين مشيخات الفستق يرعاها ترامب، لكننا في كل اللقاءات بينه وبين ابن سلمان وابن حمد، وما نشر حولها من أخبار وتحليلات وتسريبات لم نجد أثراً لعملية المصالحة تلك، وإذا ما وردت فهي على هامش الهامش وبمضمون تحريضي وليس تهدئة.. لم نجد إلا حديث الأموال التي استطاع ترامب من جديد الحصول على المليارات منها، وتبعته في ذلك بريطانيا، فرنسا، إسبانيا.
«تشليح».. وكأنهم في ملهى
لو كان هناك من أثر لعملية المصالحة أو حتى التهدئة لما شهدنا كل ذلك التصعيد من قبل ما يُسمى الدول المُقاطِعة ضد قطر حتى أن هذه الأخيرة وجدت أنه من الأسلم لرأس أميرها ألا ترسله إلى قمة الظهران التي يُقال عنها إنها عربية.. هذا ليس دفاعاً عن قطر ولا نقول إنها مستضعفة، فكل مشيخات الفستق سواء في العدوان والإرهاب، سواء ضد بعضها البعض أو ضد الآخرين.
هذا التصعيد جاء مباشرة ومنذ اليوم الأول الذي حلَّ فيه ابن سلمان في الولايات المتحدة.. وما زال مشروع «قناة سلوى» حديث الإعلام الطاغي لما يشكله من تهديد وجودي لقطر إذ يحولها- حسب التحليلات- إلى جزء من جزيرة تابعة للسعودية لأن «قناة سلوى» ستفصل قطر برياً أو بمعنى أدق ستعزلها جغرافياً (وخليجياً) وهذا الأمر ليس لمرحلة مؤقتة أو أنه قد ينتهي في حال تمت المصالحة. أبداً.. فهذا ما ستغدو عليه قطر وما ستبقى عليه بعد تنفيذ المشروع وبما يضمن ألا يعلو صوتها مجدداً، وهذا ينطلق طبعاً من تاريخية العداء القائم بين مشيخات الخليج جميعها وليس قطر فقط، عداء قائم على حروب وانقلابات ودماء، ففي هذه المشيخات لا يأمن أخ أخاه ولا ابن أباه.
«قناة سلوى» لم تحظ باهتمام ترامب رغم أن عمليات الحفر والتأسيس بدأت حسب الإعلام السعودي، كل ما قالته إدارة ترامب تعليقاً على ذلك أن مشروع «قناة سلوى» يزيد حدّة الأزمة.
هذا فقط..
ولم يتغير الموقف مع استقبال ترامب أمير قطر رغم وصف ترامب لقطر بأنها «شريك وصديق ذو قيمة عالية للولايات المتحدة»، ولم يُزدْ ترامب؛ قبض الأموال من الأمير القطري الفستقي.. وعلى عينك يا تميم لم يأت على ذكر «قناة سلوى». ربما هو ينتظر قبض الأموال من ابن سلمان، وبعدها ستنطلق عقيرته بما يضاعف العداء، لتبدأ عملية «جلب» جديدة أي عملية «حَلب» جديدة، وهكذا.. فيما يستمر ذلك «العبط» الذي يسوقه إعلام الإرهاب الخليجي بأنه إنجازات، وبأن ترامب بات في جيب ابن سلمان، بينما الحقيقة لا تخفى على أحد، هي إنجازات فعلاً ولكن ليس للسعودية والشعب السعودي الغارق في الفقر وشظف العيش، بل هي انجازات لترامب الذي يتباهى ليل نهار بجلبه مئات آلاف الوظائف والاستثمارات للأمريكيين، ويتبجح علناً بأنه مستمر في حلب الأبقار الخليجية.. ولا تهتز شعرة كرامة في رأس ابن سلمان أو ابن حمد أو بن زايد وغيرهم.
يكفينا أن نستمع لترامب وهو يصف بن سلمان بـ «الزبون الكبير» ونحن هنا لن نجادل في الكلمة وفي كونها غير لائقة وغير محترمة، بل نركز على اللغة التي قيلت بها، لغة أشبه بلغة من يدير ملهى ليلياً.. ولا عجب في ذلك مادام الهدف هو «تشليح» ابن سلمان أمواله، تماماً كما يحدث في أي ملهى ليلي يركز على الزبون الكبير «الدسم» فلا يخرج إلا بجيوب فارغة..
هذا الأمر ينطبق تماماً على ابن سلمان فهو «زبون كبير» وعليه فإن عملية «التشليح» أكبر وأدسم، ولا حاجة للكثير من المغريات، فهو أساساً- مثله مثل زبون أي ملهى- يعلم مسبقاً أنه عندما دخل ملهى ترامب عليه الدفع مادام يسعى للحصول على الحماية.. الحماية هنا تشمل أيضاً ترامب، أي الحماية من ترامب نفسه، حتى لا يصل ذلك «الربيع» إلى ابن سلمان وغيره من أمراء الفستق فيسحب كراسيهم من تحتهم.. ألم يقل ترامب أنه لولاه ولولا بلاده لما بقوا على كراسيهم أسبوعين.
زيارة ابن سلمان للولايات المتحدة من أطول الزيارات «المُعلنة» فقد امتدت على ثلاثة أسابيع وشملت إلى جانب واشنطن، ولايات المال والأعمال: نيويورك، بوسطن، لوس أنجلوس، سان فرانسيسكو.
بماذا عاد ابن سلمان؟
حسب تعبيرات وسائل الإعلام الغربية والعربية (مستثنى منها الخليجية) فإن أموال ابن سلمان توزعت على حصص بين الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإسبانيا.
الإعلام الغربي تحديداً تعامل مع زيارات ابن سلمان إلى هذه الدول من منطلق الحصص التي استطاعت الاستحصال عليها منه، فبدا الأمر وكأنه «نهيبة» مارستها هذه الدول من دون خجل من نفسها ولا أمام غيرها.. هذا الإعلام فضح بلا مواربة النظرة الغربية الدونية لبني سعود وبأنه لولا «الفستق» إياه لما وجدوا من يجاملهم ولو بنظرة.
حسب الإعلام الغربي كانت حصة إسبانيا -وهي محطة ابن سلمان الأخيرة- ملياري دولار ستغطي بها نفقات شركاتها المفلسة، مع وعود بالمزيد من ابن سلمان.
حصة فرنسا كانت عشرات المليارات، ولكنها مليارات مؤجلة لحين امتثالها لمطالب الابتعاد عن إيران والاصطفاف إلى جانب ترامب لإسقاط الاتفاق النووي.
وكانت حصة بريطانيا 100 مليار دولار ستغطي بها نفقات انفصالها عن الاتحاد الأوروبي.
أما الولايات المتحدة، فلها حديث آخر، قائمة المطالب مفتوحة وترامب لا يشبع مالياً، ولا سياسياً. المطلوب أن يُبقي ابن سلمان حساب ترامب بلا سقف، وكلما تضاعفت أزمات ومآزق السعودية وتعددت تضاعف حجم وسقف المطلوب منها أمريكياً، بدءاً باليمن وانتهاء بإيران.
200 مليار دولار جديدة كانت حصة ترامب، تضاف إلى 700 مليار دولار استحصل عليها خلال زيارته بني سعود العام الماضي 2017.
أما سياسياً، فكانت المكاسب أكبر بكثير من أي سقف وضعه ترامب و«إسرائيل». حتى في أحلامه لم يكن ترامب ليتوقع أن يخرج ابن سلمان ليعلن ما معناه:
أولاً: إنه لن ينتظر اكتمال ما يُسمى عملية السلام وسيعلن تطبيعاً استباقياً مع «إسرائيل» (وستلحقه بقية مشيخات الخليج) وهذا طبعاً يستدعي إزالة الصراع العربي- الإسرائيلي من قاموس السعودية (وعربان الخليج عموماً)، بنو سعود بالأساس ومنذ عقود ألغوا من قاموسهم هذا الصراع، أي أنه لن يتغير شيء في واقع الحال باستثناء الصفاقة في «العلنية» ولن يكون الأمر مفاجئاً، إذ إن بني سعود يمهدون له منذ سنوات وصولاً إلى المجاهرة الحالية به.
ثانياً: ابن سلمان قفز أو تجاوز مرحلة الاعتراف بـ«إسرائيل»- باعتبارها منتهية- إلى مسألة الاعتراف بحقها التاريخي في فلسطين (أرض أجداد الصهاينة كما قال)!! لم يبال ابن سلمان بمشاعر وطنية ولا شعبية ولا بمصالح أمة، لم يبال فيقدم تبريراً ولو مجاملة، بل «زاد وكتّر» بقوله إن «للسعودية مصالح مشتركة مع «إسرائيل» وتنظر إليها كقوة اقتصادية». لم يبخل ابن سلمان على «إسرائيل» بالمديح وكاد – لولا قليلاً- أن يعلن تفضيلها على الإخوة والعائلة والأقران.
لا يريد ابن سلمان انتظار الفلسطينيين ولا يريد التفاوض معهم ولا أن يقدم لهم أي مغريات ولا حتى وعود قد يستميلهم بها إلى القبول بـ«صفقة القرن»، هو يريد منهم القبول بها وهم أذلاء خانعون طائعون كما يفعل هو وبنو سعود عموماً تجاه المطالب الأمريكية.. ابن سلمان لا يريد انتظار اكتمال وتنفيذ «صفقة القرن» هو يستعجل التطبيع، يهرول إليه ويكاد يقبل الأيادي والأرجل في سبيله ويريده أن يتم اليوم قبل الغد.
لماذا؟
– هل الخوف من إيران فقط هو السبب، وإذا افترضنا أنه كذلك، هل هو بالحجم الذي يدفع بني سعود إلى كل هذا الانبطاح والاستزلام؟
لا يبدو سبباً مقنعاً وحده؟!
– هل هي ورطة بني سعود في اليمن وخشيتهم من هزيمة مُذلة ومن قيادة يمنية جديدة تتصدى لسياسة «البلطجة» التي يمارسونها ضد الشعب اليمني، هل يخافون من قيادة يمنية تفتح ملف الحدود وتطالب باستعادة المناطق التي تحتلها السعودية (عسير ونجران وجازان)؟
– هل هو الخوف من الولايات المتحدة نفسها التي أصبحت أكثر جهراً وصفاقة في التقليل من قيمة وهيبة بني سعود وصولاً إلى مُعايرتهم على الملأ بأنها هي من يبقيهم على كراسيهم (أوهي من يبقي رؤوسهم فوق أكتافهم بصريح العبارة)؟
– هل هو الخوف من أن ترتد المعادلات التي فرضها «الربيع العربي» عليهم فتضاعف حملة العداء ضدهم على مستوى العالم العربي بعد انفضاح دورهم الإرهابي وعقيدتهم وتاريخهم القائمين على القتل والعدوان.
– هل هو الخوف من نضوب النفط؟! هناك تصريحات لابن سلمان- سربتها وسائل إعلام غربية- قال فيها: إن النفط السعودي سينتهي خلال عشرين عاماً، وليس أمامه سوى هذه العشرين عاماً لتأمين بدائل وخيارات تُبقي على السعودية وعلى زعامتها في محيطها على الأقل.
– هل هو الخوف من الجوار نفسه، من أبناء الجلدة الذين يقبلون مرغمين زعامة بني سعود، فيما وراء الكواليس ينتظرون الفرصة للتخلص منهم، وإذا كان آل ثاني وحدهم من يظهر العداء لبني سعود فهذا لا يعني أن بقية عربان الخليج ليسوا كذلك.
لا شك في أن سياسة ترامب- الذي يتعامل معهم بلا ضوابط.. بلا محرمات.. بلا احترام- ترعبهم، ولنذكّر مرة أخرى أن ترامب قالها بملء فيه: لولانا لما بقيتم ولولانا لن تبقوا.
للحظة ربما أدرك بنو سعود أن أمريكا تتغير ولن تبقى الداعم التاريخي لهم، فاحتاجوا للبحث عن بديل فكانت «إسرائيل»، وللتوضيح هي ليست بديلاً بالمعنى الحرفي للكلمة، لكن «إسرائيل» هي الطريق الوحيد لإبقاء الدعم الأمريكي.
المهم بقاء الرؤوس والكراسي
ثالثاً: ابن سلمان لم يعترف، في أي مرة، بحق الفلسطينيين في إقامة دولة لهم على أرض فلسطين التاريخية وأن تكون عاصمتها القدس. في آخر حديث له- وكان لمجلة «أتلانتك» الأمريكية- تكرّم ابن سلمان بالقول إنه يؤمن بـ«حق الفلسطينيين في أن تكون لهم أرضهم».. ولكن لاحظوا كيف أن ابن سلمان لم يحدد أين هذه الأرض ولم يقل بإقامة دولة فلسطينية عليها، بمعنى اختيار قطعة أرض يُحشر فيها الفلسطينيون مثل «كونتون» يكون جزءاً من دولة، أي خاضعاً لسيطرة دولة معينة.. وهذا ليس من عندنا ولا من عند ابن سلمان بل هو موجود في «صفقة القرن» نفسها.. ولم يخجل ابن سلمان ولم يرمش له جفن، تماماً كما كان حاله وهو يكذب ويقول أن لا صلة لبني سعود بدعم المجموعات الإرهابية في سورية والعراق وليبيا واليمن وقبلها في أفغانستان وباكستان… والقائمة تطول، علماً أن هذه المجموعات الإرهابية تنطق علناً باسم بني سعود، وتقدم نفسها ممثلاً لهم وعنهم، وتفاوض باسمهم.
كل هذه المواقف- وغيرها بما لا يُحصى ولا يُعد كل هذا وبنو سعود ليسوا متيقنين بعد أنهم سيقبضون مقابلها دعماً من ترامب، ما زالوا في شك من أمره، غير مطمئنين، يتحسسون رؤوسهم وكأنها ستسقط غداً وهم الأعلم بالغدر الأمريكي، هكذا هو حال الإرهابي القاتل لا يمكن أن يأمن على نفسه.
ربما كان جانب واحد مما ذكرناه سابقاً تم التعبير عنه بشكل مثالي جداً في وسائل التواصل الاجتماعي من خلال رسم يصور ترامب أمام «صرّاف» على شاكلة بني سعود يقول لهم «حاسبونا» وذلك بعد العدوان الأمريكي- البريطاني- الفرنسي على سورية فجر السبت الماضي.
بالنسبة للإعلام الغربي هكذا كانت زيارة ابن سلمان للدول الأربع، جاء يقدم «خوّات» لا أكثر ولا أقل، وأغلب الإعلام العربي تحدث من هذا المنحى باستثناء الإعلام السعودي- الخليجي الذي أطنب وتغنى بما صرفه ابن سلمان وكأنه يصرف من جيبه الخاص فيما هو يصرف من أموال ثروات البلاد، ثروات الشعب السعودي التي هو أحق بها من الغرب ومن بني سعود.
يجادل هذا الإعلام في كذبة باتت أكثر من مفضوحة تقول: إن ابن سلمان صرف هذه الأموال- كما من سبقه- على استثمارات واتفاقات مشتركة.. هذا ما يقوله منذ عقود، ولكن لا أحد يسأله: أين عوائد وفوائد هذه الاستثمارات المشتركة، ألا يُفترض أن تنعكس على الوضع المعيشي؟
كذبة أخرى روجها هذا الإعلام في العالم العربي وفي الغرب وهي أن دخل الفرد السعودي هو الأول في العالم.. هذا صحيح، لكن أي فرد يقصدون، هل هو الفرد السعودي العادي؟! أبداً، هو فقط ذلك الفرد الذي ينتمي إلى بني سعود.. ولمن يريد أن يعرف أكثر يكفي أن يطّلع على تقارير المنظمات الإنسانية الدولية التي تتحدث بالأرقام عن الفقر الذي يغرق فيه الشعب السعودي.
ابن حمد.. «الملهى» نفسه
لنأتِ على تميم بن حمد الذي حلَّ في واشنطن بعد مغادرة ابن سلمان.
ابن حمد حلَّ ضيفاً ضعيفاً مهزوزاً في واشنطن بفعل الحملة التي يقودها بنو سعود ضد آل ثاني في قطر، وبفعل البرود الترامبي في التعاطي مع الأزمة الخليجية، لكن هذا لا يغير من سياسية «الملهى الليلي» التي يتعاطى بها ترامب مع مشيخات الفستق.. وابن حمد ليس أقل مالاً من ابن سلمان ولا أقل بذلاً منه، المهم أن يضمن بقاء الحماية الأمريكية.. هذه الحماية تزعزعت بفعل استقدام آل ثاني حماية تركية لهم وهم في هذا يشبهون آل سعود. آل ثاني غير واثقين من دوام الحماية الأمريكية لهم فاستعانوا بـ «صديق»، كما يُقال، «صديق» هو في الأساس عدو للأمة مثله مثل «إسرائيل» التي استعان بها آل سعود.
وبدلاً من أن يناور آل ثاني بالحماية التركية لاستحصال مزيد من الدعم الأمريكي لهم لمنافسة آل سعود وتزعم المنطقة جلبوا الكوارث عليهم.. حولوا هذه الحماية التركية إلى أغبى شيء فعلوه.. ومن يومها فتحت الولايات المتحدة نيرانها عليهم، ليس علناً طبعاً، ولكن الجميع يعرف ذلك ولا حاجة لإعلانه، يكفينا ويكفي أي مراقب عادي الرجوع إلى تسلسل الأحداث ما بعد استجلاب الحماية التركية ليدرك أسباب انفجار الجميع دفعة واحدة في وجه قطر (ونقصد هنا واشنطن ومشيخات الفستق ومن لف لفهم).. بينما تقف الولايات المتحدة متفرجة شامتة، وبينما آل سعود جاءت فرصتهم لعندهم للقضاء على آل ثاني الذين «يُكبّرون راس» على أسيادهم آل سعود ويريدون مزاحمتهم على الزعامة والقيادة.
أدرك آل ثاني كل ذلك، وأن لا مجال لإصلاح ذات البين، فعمدوا إلى خطوة زادت الطين بلة بالنسبة لهم بإعلانهم التقرّب والتقارب مع إيران وامتداحها والدفاع عنها.. ولا يزال آل ثاني يعتقدون أن هذه الخطوة هي ورقتهم الرابحة لأن الإدارة الأمريكية ستضطر للطلب منهم التخلي عن هذا التقارب.. وهنا في إمكانهم مقابل ذلك أن يطلبوا عودة الحماية الأمريكية إلى سابق عهدها.
لم يبخل ترامب على تميم بن حمد بالمديح والثناء والشكر، ولا بالترحاب.. هذا كلام جيد (حقه مصاري) ولكن ما بعد ذلك، بماذا عاد تميم بن حمد؟
1- تميم صَرَف «ما يقدر عليه» من أموال على الأمريكيين، وعلى مبدأ الكذبة ذاتها «استثمارات مشتركة» فيما هي استثمارات لحماية العائلة كما حال العائلات الحاكمة في خليج الفستق.
2- لم يملك تميم إلا أن يشيد بترامب ودوره في العمل على حلحلة الأزمة الخليجية، علماً أن أي أحد لم يلمس إجراء أو تصرفاً واحداً صدر عن ترامب يدعم ما قاله.
3- لم يأت تميم على ذكر مشروع «قناة سلوى»، وهل طلب من ترامب العمل على إلغائه (ربما في الكواليس تم بحث ذلك).
4- اضطر تميم للاعتراف بأن إمارته مقصرة في مكافحة الإرهاب..!! وقبل أن يستغرب أي أحد هذا الاعتراف نقول: إن المقصود به إيران وليس ذلك الإرهاب الذي يدعمه آل ثاني في سورية والعراق وليبيا وغيرها. المقصود هنا- والمطلوب هنا- أن تعلن قطر وقوفها ومحاربتها ما يسميه الغرب «إرهاب إيران».. وتردد من بعده الجملة نفسها مشيخات الفستق، هذا هو مضمون ومعنى ذلك الاعتراف، وإذا كانت الحال كذلك فهذا يعني أننا سنشهد موقفاً قطرياً مختلفاً في الأيام المقبلة إزاء إيران.
بين المعلن والمُضمر
كل ما سبق هو مواقف نقلتها وسائل الإعلام عن تميم ولكن ماذا حدث وراء الكواليس؟ وما هي النتائج ولاسيما فيما يتعلق بالأزمة الخليجية؛ الملف الضاغط على قطر؟
هذا سؤال نجد جوابه في:
– تخفيض قطر مستوى تمثيلها إلى الحد الأدنى في «القمة العربية» بعدما كان أُعلن سابقاً عن مشاركة تميم بها، وهذا ما رفضه آل سعود على ما يبدو الذين اضطروا إلى دعوة قطر حفظاً لما يسمونه «الوحدة الخليجية» ولو ظاهرياً.
– المضي قدماً في مشروع «قناة سلوى».
– رفض ابن سلمان أن تتزامن زيارته لواشنطن مع زيارة تميم.
– تجديد المطالب الـ «13» في رسالة أرسلتها الدول المُقاطعة إلى قطر في 11 نيسان الجاري، مع التأكيد أن التنفيذ هو أساس الحل، ومن أبرز المطالب: تخفيض مستوى العلاقات مع إيران، إغلاق القاعدة العسكرية التركية، إغلاق قناة الجزيرة، قطع العلاقات مع الإخوان.. الخ. وكلها مطالب لا قِبَل لقطر بتنفيذها بل هي مستحيلة التنفيذ في ظل أن المطلوب تنفيذه سلة واحدة ودفعة واحدة.. وأيضاً في ظل عدم قبول الدول المقاطعة التفاوض حولها.
وهناك أجوبة أخرى تحملها الأيام المقبلة.
وعليه، فإن المرجح حسب المراقبين، أن إدارة ترامب لها مصلحة أساسية في استمرار الأزمة الخليجية (هذا ما يدركه الجميع بمن فيهم أطراف الأزمة مع فارق أنها تصب حتى الآن في مصلحة الدول المُقاطعة). الفوائد التي حققتها أمريكا من وراء الأزمة أهم بكثير من الفوائد التي جنتها من حال التهدئة والوفاق بين المشيخات الخليجية.. لا تصدقوا كل ما يصدر عن المسؤولين الأمريكيين عن جهودهم وضغوطهم لحل الأزمة.. ولا كل ما يقوله الإعلام عن أن ترامب يسعى ويحاول حلها.. كل ما يفعله ترامب هو نقل الأزمة من مرحلة إلى مرحلة تصعيداً وليس تهدئة.
ماذا عن محمد بن زايد؟
حتى الآن لم يُعلن تاريخ محدد لزيارة ولي العهد الإماراتي محمد بن زايد لواشنطن، لكنها ستتم قريباً وخلال هذا الشهر، لأنه من ضمن عملية «الجلب» القائمة.. وفيما لا تستقيم الأمور في عملية «الحلب» من دون طرفها الثالث، الإمارات وبني نهيان، فهم أيضاً لا تقل أموالهم عن بني سعود وآل ثاني.
لكن ترامب يعتمد تكتيكاً مختلفاً مع الإمارات يقوم على ممارسة ضغوط علنية (مسبقة) عليها، وما أكثر الملفات التي يستطيع ترامب الضغط فيها؛ يكفي الملف اليمني فهو عامر بالانتهاكات الإنسانية التي يمارسها آل نهيان بحق اليمنيين، وتستطيع واشنطن تحريك هذا الملف متى أرادت.
وفي الغرف المظلمة هناك ملف العلاقات السعودية- الإماراتية وهو لا يقل توتراً وخطورة.. أيضاً تستطيع إدارة ترامب تحريكه متى أرادت، ولا يغرّنَّ أحد ذلك «التوافق» الذي تبدو عليه السعودية والإمارات في اليمن وغير ملف في المنطقة، هذا التوافق نفسه يحمل في طياته كل عوامل التوتر والشقاق، وفي حال لم يدفع بن زايد «الفستق» المطلوب فإن لترامب حديثاً آخر.
لن نستبق الزيارة وسنبقي تحليلاتنا في حدودها الدنيا، وعندما تتم سيكون لكل حادث حديث.
لن نقول مؤسف جداً هذا الحال، بل هو حال تحول إلى قاتل حقيقي لأمة العرب التي تملك كل المقومات لتكون في المقدمة.. لتكون قوة عالمية يُحسب لها ألفُ حساب.

طباعة