كانت تجلس في المقهى وحيدةً، تقرأ كتاباً، بدا المشهد غريباً إلى حد ما، ذلك أن من يقرأ كتاباً، هذه الأيام، فإنه في نظر الآخرين يحتاج علاجاً، كان غلاف الكتاب واضحاً بين يديها لمن ينظر إليه من الطاولة المجاورة، وبعنوان مثير «مميّز بالأصفر»، لم أكن قد سمعت بهذا الكتاب قبلاً، لأكتشف لاحقاً أنه من أكثر الكتب مبيعاً، ذلك أن دور النشر اعتادت أن تسحب شريحة واسعة من القراء إلى نوعية من الكتب، وخصوصاً تلك التي ترشّ توابل الحكمة على التجارب الحياتية، حيث يتلقاها القارئ العابر مثل وجبة جاهزة.
حسب الوصفة المرفقة بالكتاب، فإنه يتألف من إرشادات لتحقيق الحياة الطيبة التي تنبع من الإنصات لنصائح الآخرين، وفقاً لخبرات مؤلفه «اتش. جاكسون براون الابن»، بالتعاون مع «روتشيل بنينغتون»، وقد حقّق هذا الكتاب الصغير نجاحاً مدوّياً، نظراً لاستشهاده بقصص واقتباسات تفيد بكيفية العيش، لا نعلم كيف نستعير نمط حياة أخرى قائمة على قيم وخبرات وبيئات مختلفة ونسعى إلى تطبيقها في مجتمعاتنا بوصفها علاجاً سحرياً لمواجهة الفشل!
قبل سنوات اقتحم باولو كويلو واجهات المكتبات العربية بروايات روحانية مقتبسة من التراث العربي، أشهرها «الخيميائي»، فأقبل عليها قراء من شريحة قارئة «مميّز بالأصفر» بتأثير ميديا كاسحة، رغم أن البضاعة التي تحتويها كتبه مستوردة من بيئتنا ومكتوبة لقارئ أجنبي يعيش تحت ضغط مجتمع تكنولوجي يفتقد الروحانيات(!)، ثم أتت موجة أليف شفق مصحوبة بروايتها «قواعد العشق الأربعون»، فالتهمها آلاف القراء العرب بشهية عالية، إذ فاتهم أن المقصود بالعنوان هو العشق الإلهي، كما تجاهلوا الروح الاستشراقية للرواية، وبالطبع لن نستعيد موضة أحلام مستغانمي التي هدأت قليلاً، بعد سنوات من الازدهار، هذه النوعية من الكتب لا يمكن أن تصنع قارئاً أصيلاً ومواظباً، لأنه أسير موجة إعلانية لدور نشر ضخمة توجه بوصلة القراءة نحو ما هو معلّب فقط، ذلك أن قراء هذه الكتب طارئون ولا علاقة لهم بالقراءة كفعل ثقافي أو معرفي، فهم يعرفون أسماء أصحاب الكتب الرائجة، في حين يجهلون أسماء كتاب عرب كبار، عدا ما تلفظه جوائز الرواية العربية من أسماء موسمية سرعان ما تندثر تحت رمال متحركة لأسماء أخرى. أفكّر بقارئة «مميّز بالأصفر» هل اهتدت بعد قراءة الكتاب إلى كيفية العيش بنجاح، أم إنها تعرّفت إلى أحدهم عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي فهجرت القراءة إلى الأبد «إثر حادث عشقٍ أليم»، سيقترحه صاحبنا عليها بكل ركاكته اللغوية من نوع «أحبكي يا فاتنتي».

طباعة