لفتت تصريحات رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي، غادي إيزنكوت الأخيرة الأوساط المتابعة لأجواء الصراعات في المنطقة، حيث أثارت العديد من التساؤلات عما إذا كانت الأحداث والنيات ستتطور إلى مستوى حدوث حرب مدمرة، حسب مزاعم إيزنكوت، الأمر الذي سيتجه بعموم المنطقة إلى الحالة الأكثر خطراً من أي وقت مضى.
والأسئلة الأخرى الأكثر أهمية عن قدرة كيان الاحتلال على شنِّ العدوان وتحمل تبعاته، ومدى تأييد أو موافقة الدول الصديقة والحليفة لها- وخاصة الولايات المتحدة- على مثل هذا الإجراء العدواني، إذ تسعى واشنطن ومعها عواصم دولية كبرى إلى عدم الخوض في مغامرات عدوانية قد تكلفها أثماناً باهظة من خلال تمرير مشاريع سياسية بأقل التكاليف الممكنة.
وتلك الأسئلة منوطة بإحداثيات الأخطار الكبرى التي تراها «إسرائيل» تهدد أمنها ووجودها في المنطقة، والتي أشار إليها بأنها تأتي من الجبهة الشمالية متمثلة بسورية ولبنان ومن ورائهما الحليف الإيراني وقوى المقاومة.
ومن الأرجح أن لبنان هو المستهدف الأكبر بهذه التصريحات ولربما يختار كيان الاحتلال أحد الخيارين، الأول: أن يعمل على توتير الأوضاع الداخلية وتفجيرها بشكل أو بآخر، وإشعال فتيل النزاع والصراع بين الفرقاء وضد المقاومة الوطنية اللبنانية، وذلك عبر تدبير حوادث تؤدي إلى هذا الانفجار، الأمر الذي لا يريده العديد من الدول الإقليمية  والأوروبية، ولاسيما فرنسا،لكنه مطلوب إسرائيلياً وذلك على خلفية التطورات الميدانية في المشهد السوري وحالة الانتصار التي تتعزز كل يوم، وأيضا تنامي القدرة الإيرانية التسليحية، وحالة الرفض لجيل ما بعد أوسلو لمفهوم (السلام) وفق النظرية الصهيونية، الذي تمثل جلياً في مسيرات يوم الأرض وتحقيق حلم العودة إلى أرض الآباء والأجداد.
أما الخيار الثاني فهو شن عدوان  مباغت  كبير ضد لبنان والمقاومة اللبنانية أياً كانت تكلفته على جميع الأطراف… وبحسب توقعات رئيس الأركان الإسرائيلي فإن فرص اندلاع حرب تخوضها «إسرائيل» خلال العام الحالي، أكبر مما كانت عليه في الأعوام الثلاثة الماضية… وأكد بقوله: «إن كل ما يقع تحت استخدام حزب الله في لبنان سيدمر.. من بيروت حتى آخر نقطة في الجنوب.. سندمر مباني عالية عديدة في لبنان يجلس فيها عناصر حزب الله .. صورة الدمار التي ستخلفها الحرب ستكون منقطعة النظير».
يبدو أن ثمة رسائل يريد إيصالها بهذه التصريحات والتوقعات من خلال موقعه في قيادة جيش الاحتلال تزامناً مع التطورات الدراماتيكية في المنطقة ولاسيما التي تشهدها سورية. وأيضا تزامنا مع تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بعزمه سحب قواته من سورية وترك «المهمة للآخرين»، الأمر الذي يشي إلى بأن  ثمة ما يجري طبخه على نار هادئة بين الولايات المتحدة و«إسرائيل».
وضمن هذا السياق يكمن المشهد الفلسطيني في مهب المخاطر الجسيمة، لأن واشنطن لم تنفك عن الترويج والمضي في طرح مشروعها البائس «صفقة القرن» لتصفية القضية الفلسطينية، ومن خلاله قد تلجأ إلى إشعال فتيل حرب في المنطقة لخلط جميع الأوراق ولتمرير هذه الصفقة وتحقيق أهداف استراتيجية عدائية في المحيط الحيوي لفلسطين المحتلة، فليس من المستغرب من «إسرائيل» وأميركا إشعال الحروب العدوانية في المنطقة ولاسيما عندما تريدان تمرير مشاريع كبيرة تحقق مصالحهما، وربما يكون رفض الشعب الفلسطيني لمشروع «صفقة القرن» الصهيو- أميركية دافعاً محتملاً لإشعال المنطقة بحرب جديدة.
المعضلة أن صلف وعنجهية الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأميركية لإشعال المنطقة بويلات الحروب لتحقيق أطماعهما غير المشروعة انسياهما التجارب القريبة الماضية لهما، فعدوان الاحتلال الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة ولبنان، وبالرغم من إلحاق الأذى والدمار الكبير، إلا أنه لم يكسر شوكة المقاومة الفلسطينية وحزب الله، بل خرجا أقوى مما كانا عليه، كما أن حروب أميركا الاحتلالية في أفغانستان والعراق لم تجلب لهما إلا الدمار وزعزعة الاستقرار والسلم العالمي وبما أثر سلباً على المصالح الأميركية.
ليس معلوماً بعد كيف ستتصرف الولايات المتحدة الأميركية والمجتمع الدولي في مواجهة تداعيات العدوان في حال وقوعه، لأنه من الواضح أن حدة المواجهة ستتصاعد كما لا يمكن التحكم بأي ردود فعل من أطراف المواجهة.
فالحرب ليست لعبة نفوذ أو سياسة يمكن التحكم بنتائجها، بل هي لعبة خطيرة لا يمكن ضبطها وخاصة إذا بدأتها عقليات مأزومة ومتعصبة تدفع بتصدير مشاكلها الداخلية إلى الخارج لفرض سياسة  الهيمنة بأي ثمن.
ربما يكون تصريح إيزنكوت مجرد إنذار يتضمن رسائل واضحة لسورية ولبنان وإيران وقوى المقاومة الفلسطينية مفادها أنه لا يمكن السماح لهم بالسير في طريق إنجازاتهم الحالية في المنطقة من دون أن تواجه صدّاً مقابلاً يرسم خطّا أحمر أمام ما تقوم به وما ستقوم به، وان عليها أن تتحمل النتائج.
يعتقد البعض أن العدو الإسرائيلي يستطيع إشعال فتيل الحرب المقبلة وأنه سيحظى بكل الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي الأميركي، لكنه واهم من يعتقد أن أخطار وتداعيات هذه الحرب ستوفره وتوفر المصالح الأميركية فالدمار الذي صرح به إيزكوت لن يقف عند حدود الجبهة الشمالية بل سيطوله ويتلظى بناره.

طباعة