أعلنت القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة في سورية عن تحرير مدن وبلدات الغوطة الشرقية بالكامل وآخرها كانت  دوما، مؤكدة أن هذا التحرير ينهي مراهنة الدول الداعمة للإرهاب على الضغط على العاصمة السورية عسكرياً وسياسياً، ويفتح الطرق ما بين العاصمة وكل محافظات الجمهورية العربية السورية.
لعل البعض يتساءل: بعد هذا الإعلان إلى أين ستذهب الدولة السورية عبر طريق الغوطة الشرقية المفتوحة؟ السؤال يحمل مضموناً سياسياً وليس جغرافياً. هل سيدفع تأمين محيط دمشق الدولة نحو المزيد من المرونة في المحادثات السياسية، أم المزيد من التشدد في الخيار العسكري؟ الإجابة أكثر بساطة مما يعتقده الكثيرون.
لن تذهب الدولة السورية إلى أي مكان، ستبقى مكانها، وستكون خطواتها ثابتة على طريق تطهير كل الأرض السورية من الإرهاب وتحرير المختطفين، واستعادة السلم الأهلي، ودورة الاقتصاد. أما طريق الغوطة الشرقية المفتوحة فستكون للخارجين من سورية، ليس المقصود هنا المجموعات الإرهابية الخارجة إلى إدلب وجرابلس فقط، فالطريق المفتوحة سيهرب عبرها كل أولئك المتورطين في الحرب على سورية.
لعل أول الفارين كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أعلن أن القوات الأميركية ستغادر سورية قريباً، وعاد في اليوم الثاني ليطلب من مستشاريه تنفيذ هذا الخروج، مع تجميد مبلغ 200 مليون دولار «كانت مخصصة لإعادة الإعمار»، وهو المصطلح الدارج في أروقة الإدارة الأميركية للدلالة على الدعم المقدم للإرهابيين تحت مسميات مخادعة، تبعه في اليوم التالي وليّ عهد النظام السعودي محمد بن سلمان في لقائه مع مجلة «التايم» عندما قال بوضوح ومن دون مواربة «الأسد باقٍ في سورية». هذا الإعلان، وإن كان لا يضيف شيئاً إلى الواقع، إلا أنه إعلان عن هزيمة دولة صرح مسؤولوها على مدى سبع سنوات أنهم لن يتوقفوا عن دعم الإرهاب حتى «إسقاط النظام» بالمفاوضات، أو عسكرياً حسب عادل الجبير، وقبله سعود الفيصل. كذلك ظهر في صحيفة «الديار» تسريب لخبر يفيد أن الأردن رفض المشاركة في اجتماع لمجموعة من الدول تخطط لدعم العصابات الإرهابية في الجنوب السوري.. ورغم استبعاد صحة الخبر إلا أنه من الممكن تفسيره على أنه رسالة لدمشق بموقف أردني جديد، وخاصة في ظل ما يشاع عن خلاف بين الملك عبد الله الثاني ومحمد بن سلمان.
لقد نزلت تصريحات ترامب كالصاعقة على رؤوس قوى الإرهاب وداعميها، فالعدو الصهيوني الذي كان ينام قرير العين بحراسة قوى الإرهاب، سارع للحديث عن عودة قوة الأمم المتحدة «أندوفا» إلى خط وقف إطلاق النار في الجولان، وسارعت فرنسا لتعلن عن دعمها لـ «وحدات حماية الشعب» الكردية وإرسال وحدة من عشرات الجنود إلى مدينة منبج، في عودة مفاجئة إلى ساحة الأحداث، وأطلق تنظيم «الإخوان المسلمين» الإرهابي موقفاً واضحاً على لسان رئيس المكتب السياسي السابق لحركة حماس، الذي أعلن تأييده ومباركته لاحتلال عفرين من قبل الجيش التركي، وهو الموقف الذي اتخذه في احتفالات الذكرى التسعين لإنشاء حركة «الإخوان المسلمين» والتي أقيمت في مدينة إسطنبول. ورغم محاولة ترامب الهزيلة مطالبة السعودية بدفع مبالغ للإدارة الأميركية مقابل بقاء قواتها في سورية، والذي رآه البعض تراجعا عن تصريحه الأصلي، إلا أن الأيام والأحداث المتوالية تثبت أن هذا الانسحاب سيحصل في المدى المنظور، ولعل تقدم الجيش العربي السوري لمحاصرة جيب التنف في الجنوب الشرقي دليل أولي على ذلك.
لقد انقلب معسكر الأعداء رأسا على عقب، وعاد العداء التاريخي بين تركيا وفرنسا إلى الواجهة (فرنسا كانت من أكثر الدول المعارضة لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي)، وتخلت حركة «الإخوان» عن موقفها المائع في الخلاف التركي- السعودي، وأعلنت الانحياز الكامل إلى الجانب التركي. أما السعودية فأعلنت عن لجوئها إلى الحضن الإسرائيلي للحماية، وذلك من خلال تصريحات محمد بن سلمان الوقحة حول «حقوق لليهود في أرض فلسطين»، وما لبث خلال يومين أن تبعه أمير قطر على الطريق نفسه. بعد ذلك جاءت القمة الثلاثية الروسية– الإيرانية– التركية في اسطنبول التي أكدت وحدة التراب السوري، مقابل وعد بعدم السماح بقيام كيانات انفصالية (كردية)، وهو ما ينسجم مع الثوابت السورية، وتالياً حملت القمة في طياتها إجهاضاً لمطامع تركيا التوسعية في الشمال السوري.. كل هذه التغيرات مرت عبر اوتستراد حرستا– دوما الذي فتحه الجيش العربي السوري.
منذ بداية الحرب على سورية أعلنت الدولة السورية موقفها المتمثل بتمسكها بكل شبر من الأرض السورية، واستعدادها للقتال والتضحية في سبيل استرداد أي شبر من الأرض تحتله العصابات الإرهابية أو أي قوة أجنبية. وعلى مدى سنوات الحرب السبع قدم الجيش العربي السوري الكثير من التضحيات، حتى أننا نستطيع القول: إن كل حفنة من تراب المناطق المحررة مجبولة بدماء الجنود العرب السوريين، وعلى المستوى السياسي أبدت القيادة السورية صموداً عز مثيله رغم كل الضغوط التي تعرضت لها.
نعم، ما بعد الغوطة الشرقية ليس كما قبلها، وبالنسبة للدولة السورية وجيشها وشعبها وقيادتها، فالطرق مفتوحة لطرد الصهاينة الأعراب والإسرائيليين معاً، والطرق مفتوحة لعودة المهجرين إلى بيوتهم للشروع في إعادة إعمار سورية.. ما بعد دوما والغوطة درس لكل متخاذل يبحث عن سبب للاستسلام ومهادنة العدو، درس يقول: إن الصمود ممكن في وجه كل قوى الأرض، وإن الإرادة قادرة على صناعة المعجزات، فهل يتعلم الدرس عربان التسوية مع العدو الإسرائيلي؟.

::طباعة::