في مقابلة صحفية مهمة أجراها الإعلامي المعروف جيفري غولد بيرغ مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، ونشرتها مجلة «أتلانتيك» الأمريكية الشهيرة، وذلك أثناء زيارته الطويلة للولايات المتحدة الأمريكية، لوحظ فيها أن ولي العهد لم يكن معنياً بما يمكن أن تكون لمقابلته من تداعيات في بلده، وبين أبناء الشعب السعودي أو حتى في هذا القطر العربي أو ذاك، وإنما كان جلّ اهتمامه موجهاً إلى صاحب القرار الأمريكي، الذي ينظر إليه على أنه «القوة الأحادية الجانب، وهي الوحيدة مرهوبة الجانب على وجه هذه البسيطة»!! وقبل أن أدخل في تفاصيل هذه المقابلة فإنني أرجح أن أحد المستشارين المكلفين سواء في المخابرات المركزية الأمريكية أو من يعمل معها قد أشار على ولي العهد، وطلب إليه أن يذكر ما ذكره، وذلك تلبية لرغبته في أن يكون مقبولاً من الإدارة الأمريكية ومعتمداً لديها، ويبارك له مهمته الجديدة ملكاً للسعودية بديلاً عن أبيه سلمان؟
فما جاء في مقابلته وهو الأخطر، اعترافه بما سماه «حق اليهود في تأسيس دولتهم على جزء من أرض أجدادهم»، وهذه تصدر أول مرة من مسؤول عربي منذ عام ثمانية وأربعين وتسعمئة وألف، سنة احتلال الكيان الصهيوني للأرض العربية في فلسطين، إذ أشار دينيس روس الدبلوماسي الأمريكي الخبيث، والمكلّف من قبل إدارات أمريكية عدة، بملفّ المفاوضات التي حصلت بين العرب والصهاينة إلى هذه النقطة، وقال روس: «إن قادة عرباً معتدلين»، تحدثوا كثيراً عن «وجود إسرائيل وإنها أمر واقع»، ولم يسبق أن اخترق أي منهم أو وصل أحدهم إلى ما ذكره محمد بن سلمان، فصحيح ما ذكره روس، على الرغم من قناعتنا بأن كثيرين من هؤلاء، ليسوا ضد ما ذكره بن سلمان، ولكنهم كانوا يخشون شعبهم العربي سواء في قطرهم أو في بقية الأقطار، نتيجة الموقف الشعبي العربي العارم ضد الكيان الصهيوني، وفي أن القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للأمة العربية، إلا أن ابن سلمان ضرب عرض الحائط، وأماط اللثام عن وجهه، و«بقّ البحصة» على الطريقة اللبنانية! كما نتوقف في هذه المقابلة وفي تناوله للعدو الإسرائيلي، إذ لم ينبس ببنت شفة ضد هذا العدو، في الوقت الذي يسقط يومياً عشرات القتلى ومئات الجرحى على يد جنوده القتلة في فلسطين المحتلة، بل على العكس تماماً أشاد بهذا العدو عندما قال: «إن لديه اقتصاداً متنامياً وتمكن الاستفادة منه»، ويضاف إلى ذلك، أنه لم يأت على ذكر فلسطين والدولة الفلسطينية، وإنما ذكر أقل ما يذكره أي مسؤول أوروبي أو أمريكي، وهو حق الفلسطينيين و«الإسرائيليين» في أن تكون لهم أرضهم ودولتهم؟ كما أنه لم يشر إلى نقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس، وما أحدثته من استنفار وردود فعل في الداخل الفلسطيني وفي الشارع العربي؟ وذكر أن بلده السعودية وظفت حركة «الإخوان المسلمين»، لمحاربة الشيوعية التي كانت تهدد أوروبا وأمريكا والسعودية أثناء الحرب الباردة، وقوّم نظام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بأنه كان شيوعياً، وهذا ما يشير إلى جهل مطبق في عالم السياسة، وإلى موقف المرحوم عبد الناصر، وتبنيه إلى جانب سورية القضايا القومية العادلة في مواجهة الغرب الاستعماري ورأس حربته في المنطقة الكيان الصهيوني، وهو موقف يناقض الموقف التاريخي للسعودية في دعمها لحركات التطرف الإسلامي، ومنذ منتصف القرن المنصرم، وعلى رأسها حركة «الإخوان المسلمين» في أقطار الوطن العربي، وأخيراً موقف أبيه سلمان من محمد مرسي الإخواني، عندما أصبح رئيساً لجمهورية مصر العربية في خضم ما سمي «ثورات الربيع العربي»!!
والتناقض نفسه وقع فيه، وهو نفيه أي دعم مالي سعودي للإرهابيين ومنظماتهم المتطرفة، معترفاً في الوقت ذاته أن بعض الشخصيات السعودية في المملكة موّلت هذه الجماعات، وفاته ما قاله حمد بن جاسم عندما اعترف، وأمام العالم كله، بأن السعودية وقطر والإمارات دفعت ما وصل إلى مئة وسبعة وثلاثين مليار دولار للإرهابيين في سورية وحدها، عدا ليبيا واليمن وغيرها!
كما أنه أنكر وجود الوهابية في السعودية، وفي ذلك ضرب من الهذيان والاستهزاء بعقول الآخرين!! إن كان في داخل المملكة أو خارجها، ومحمد بن عبد الوهاب قرين محمد بن سعود، فكان الأول «للإمامة» والثاني «للحكم والسياسة»، فإن لم تكن الوهابية في السعودية، فأين نشأت إذاً؟؟ فمنشؤها المملكة وعلى غرار حركة «الإخوان المسلمين»، وبتخطيط مباشر من المخابرات البريطانية في القرن الثامن عشر، ومنها انتشرت إلى مناطق أخرى في الوطن العربي، والآلاف من معتنقيها دخلوا بلدنا، سورية العروبة، وتلطّخت أيديهم بدماء أبناء شعبنا العربي السوري وجيشهم العقائدي الباسل!! فكيف بولي العهد ينكر وجود الوهابية في المملكة؟
والأنكى من كل ما سبق، وصفه لقائد الثورة الإسلامية الإيرانية علي الخامنئي بأنه «أخطر من هتلر»!! مدعماً قوله في أن هتلر حاول غزو أوروبا واحتلالها، بينما «الخامنئي يريد غزو العالم كله، وليس منطقة بعينها»؟ فتباً لك يا ولي العهد، فلِمَ لم يكن أسلافك في السعودية، وفي بقية دول الخليج العربي يتحدثون عن شاه إيران الصديق الصدوق للكيان الصهيوني، والشرطي الأول للولايات المتحدة الأمريكية، وهو لم يكن من مذهب آخر غير مذهب الخامنئي، فعندما جاءت الثورة الإسلامية وناصبت الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية العداء، ونادت بتحرير فلسطين والأرض المقدسة، أصبحت هي «العدو»؟ والكيان الصهيوني هو «الصديق»، فكفاكم استخفافاً بعقول شعبنا العربي، وبقضاياه المقدسة، وفي مقدمها القضية الفلسطينية، فمنهجكم واضح ألا وهو تشكيل حلف مع الكيان الصهيوني والسيد الأمريكي بحجة ما يشكله «الخامنئي وإيران من خطر على المنطقة»؟؟ ولكنه كلام حق يراد به باطل، والكتاب معروف من عنوانه، لم ولن تنجحوا في استبدال الصراع العربي- الصهيوني بصراع مفترض من قبلكم ألا وهو «الصراع العربي- الفارسي»، فكما يقال في العامية «العبوا غيرها»!! فشعبنا العربي على امتداد ساحة وطنه الكبير يميز بين الغثّ والسمين، ويعرف الطريق الصحيح ولن تنطلي عليه تضليلاتكم البهلوانية، ويقول لكم: اتعّظوا من التاريخ؟ فالولايات المتحدة الأمريكية، لم تكن وفية لأصدقائها بل لعملائها، وسيأتي يوم وبعد مص دمائكم واستنفاد ثرواتكم ستلقي بكم في الصحراء، وأمثلة التاريخ قريبة وليست بعيدة، فها هو شاه إيران والسادات وبن علي ومبارك وغيرهم.

print