الأنوثة والرقة والحسن والجمال، لم تكن لتقف يوماً حائلاً بينها وبين ساحات الوغى واقتحام ميادين الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فالمرأة السورية كانت ولاتزال صاحبة الدور الفاعل والمؤثر في المجتمع والمناضلة والمقاومة التي ساهمت في رسم ملامح يوم الجلاء العظيم، وظلت تفاصيل بطولاتها حتى اليوم باقية في ذاكرة الشعوب، وبما أن التاريخ يعيد نفسه، وكما يقال ما أشبه اليوم بالأمس، فإن نساء سورية كنّ ومازلن يجاهدن ويقدمن التضحيات الجسام خلال سنوات الحرب العجاف التي أثخنت قلوبهن بجروح عميقة إثر فقدان الأب والزوج والأبناء والإخوة والبيت معاناة ظروف الهجرة والتهجير، ولكنها لم تتمكن من كسر عزيمتهن ولم تنل من إرادتهن القوية وصبرهن، وقدرتهن على الوقوف من جديد، فالتاريخ، قديماً وحاضراً، يخبرنا، وكما قالت أم الشهيد وعضو مجلس الشعب السيدة جانسيت قازان، خلال وقفة لـ«تشرين» معها لاستعراض دور المرأة بشكل عام وأم الشهيد بشكل خاص في صنع الجلاء، إن المرأة والسيدة السورية لعبت في كل العصور، دوراً كبيراً إلى جانب الرجل في صنع الاستقلال والتحرير منطلقة في ذلك من إيمانها بالله وحبها للوطن الذي تربت وربت أبناءها على أنه أغلى ما يملك الإنسان ويستحق أن يفديه بدمه وروحه، ومن أجل سيادته وكرامته وعزته يرخص الغالي والنفيس.
نماذج مشرفة
بنظرة تأملية تعود السيدة قازان بالذاكرة لتتحدث عن نماذج مشرفة لنساء سوريات وقفن وقفة عز، ومنهن، على سبيل المثال لا الحصر، الكاتبة ماري عجمي التي كانت فاعلة معطاء ومثقفة وشاعرة قاومت المحتل بشعرها وقلمها، وهي أول صحفية سورية أعدم جمال باشا السفاح خطيبها ولم يكسرها ذلك الحدث، بل ازدادت نشاطاً ومقاومة ضد الاحتلال وطالبت بالحرية لبلدها، وزوجة المجاهد صالح العلي السيدة حبابة التي رافقته بنضاله ضد المستعمر الفرنسي، والمناضلة التي قاتلت إلى جانب يوسف العظمة ورقيت إلى رتبة نقيب شرف، وبعدها أسست جمعية وساهمت في تعليم أبناء الشهداء، وغيرهن الكثيرات من السيدات السوريات اللواتي شاركن في الثورات التي اشتعلت ضد المحتل الفرنسي في كل أنحاء البلاد، فكنّ أيقونات نصر وسطرن ببطولاتهن صفحات بيضاء وناصعة في سجل النضال البطولي للمرأة.
وتضيف قازان: لم تكن المرأة السورية لتتوقف يوماً عن مسيرتها النضالية، فبعد نيل سورية استقلالها تابعت طريقها للحصول على حقوقها ورفع مستواها السياسي والثقافي والاجتماعي فنالت حقها في التصويت، وبعد الحركة التصحيحية تولّت العديد من المهام فكانت أول نائب لرئيس الجمهورية عام 2006 ومستشارة ووزيرة ونائباً عاماً وقاضياً وغيرها من الوظائف والمناصب التي لاتزال تشكل حلماً عند معظم السيدات في الدول الإقليمية والمحيطة.
الضامن لاستقرار الأسرة
واليوم، وفي ظل هذه الحرب الظالمة التي تعيشها بلدنا، فقد أثبتت المرأة بحسب قازان للعالم أجمع بأنها الأنموذج المقاوم لقوى البغي والجهل والظلام، فكانت، وانطلاقاً من أهميتها ودورها، تعمل على ضمان أمان واستقرار الأسرة ورفع الإحساس الوطني لأطفالها، تقاوم بكل ما لديها وتضحي بأغلى ما عندها ألا وهو الولد وأثبتت أنها هي عشتار وجوليا دومنا، وهي المرأة العالمة والعاملة والأم المربية، وقبل كل ذلك هي أنثى تشبعت بالولاء للوطن، وهي أم الشهيد التي قدمت أبناءها على مذبح الوطن من ولد واحد ووحيد إلى سبعة أبناء في الأسرة الواحدة، وذلك لتكريس مفهوم الشهادة، وزرعت في نفوس من تبقى منهم رغم حزنها العميق معاني الشرف والعزة والإباء وحب الوطن لدرجة الفداء وأعدتهم ليكونوا منتصرين وشرفاء.
ولدى سؤالها عن أسرار صمود المرأة السورية وتحملها كل أنواع العذاب من أجل تحقيق الحرية والجلاء لبلادها أفادت السيدة قازان: بأن سورية ولّادة وعمرها عشرة آلاف سنة مرت خلالها سيدات عظيمات صمدن بقوة وإباء إلى جانب الوطن في قضاياه كلها، واليوم تتابع حفيداتهن تلك المسيرة، ولذلك ستبقى الأم السورية أسطورة الحياة، وصمودها سيدرّس في كل أكاديميات العالم، وأبداً لن يستطيع أحد فك شيفرة صمودها لأن الجينات السورية لا مثيل لها بين شعوب الأرض، وليعلم العالم بأن شعباً فيه مصنع مقدس للرجال – صدقوا ما عاهدوا الله عليه – لن ينكسر ولن يركع إلا لوجه الله تعالى، وما حدث في الأمس بعد العدوان الثلاثي على سورية أكد أن الشعب العربي السوري بكل فئاته، والمرأة أولها، شعب حي وجبار أفشل بصموده ووحدته كل أهداف العدوان، وقدم للعالم مثالاً فريداً على مقاومة كل أشكال الإرهاب والظلم والعدوان.
لتختم عضو مجلس الشعب بالقول: يوم الجلاء ليس ذكرى فحسب، فهو ذاكرة حاضرة دائماً، لأننا نقف في المواجهة مع العدو الصهيوني الذي اقتطع قطعة غالية على قلوب السوريين، هي جولاننا الغالي واحتل فلسطين التي ستبقى بوصلة المقاومة حتى اقتلاع الكيان الصهيوني من قلب الوطن العربي، ولذلك فالنضال مستمر حتى ننتصر على كل القوى الرجعية والصهيونية.
هي الوطن والعطاء والكرم
وفي السياق ذاته، رأت عضو مجلس الشعب سلام سنقر أن الحروف والكلمات مهما حاولت التعبير لوصف عظمة المرأة السورية، فإنها ستبقى عاجزة، لأن المرأة كانت ولاتزال وفي كل الحقب وأمام كل المحن الوطن والعطاء والكرم، وعنوان الكبرياء وأسطورة نضال وكفاح موشوم على جبين الزمان، والروح لجسد الحياة تعلم الأجيال وتكبر بوجودهم.. تعلمهم سيرة النضال وترضعهم سقياً الشهادة فداءً للوطن فهي ابنةُ البطل وأختُ المقاتل وأمُّ الشهيد الذي نهل منها معنى الوطن عيشاً لكرامته أو شهادة نالها لبقائه عزيزاً منيعاً على الطغاة والحاقدين، بحنانها علمت أبناءها أن الوطن أم وكيف يكون الابن باراً بأمه، وبقوتها اختزنت عناوين انتصارات شعبٍ علمته البأس في المحن ومع كل ما قدمته من تضحيات في سبيل خلاص وطنها وجلاء المحتلين والمستعمرين وأصحاب التفكير الظلامي، قدمت للعالم رسالة مفادها أن المرأة السورية هي الملكة والقائدة والعاملة والمقاتلة والمزارعة والمنتجة في كل مجالات الحياة، والشريك الحقيقي الفاعل والفعال في معركة جلاء الظلم والظلمات وانكسار الطغاة، حيث المجد وزوال الجهل وعتمة الفكر، والانتصارات التي توالت على العثمانيين والفرنسيين قديماً، واليوم على الإرهاب والطغاة.

::طباعة::