تفتح الشخصية «الترامبية» الجدلية والبراغماتية شهية المحللين والأطباء النفسيين لدراستها، ولن تكون «باندي لي» المشرفة على كتاب «حالة دونالد ترامب الخطيرة» الصادر عام 2017 آخرهم، فقد عزت «عدم توازن» ترامب إلى «حاجاته النفسية الكبيرة التي تفرض نفسها عليه بشكل أكبر من أي أمر خارجي أو أيديولوجي».
وكانت (لي)  قد أكدت أن «العنف والأسلحة الفتّاكة والحرب عنصر جذب كبير لشخص ترامب»، لكونه «يشعر بالفراغ وانعدام القيمة»، وهو أمر خطير في ظل تهوّر ترامب وطيشه وعدم تعاطفه مع الغير، على حدِّ قولها.
تحليلات واستنتاجات لا تزيد في الطنبور إلا نغماً محرضاً على المطالعة لفنون الجنون التي يمارسها الرئيس ترامب علانية، بينما تنكشف الحقيقة الأمريكية التي تتمتع ببنى مؤسسة مستقرة لن تنتج إلا من يؤدي سلوكيات تفرضها تلك المؤسسة، والمؤثرة في صناعة القرار الأمريكي، أما شخصية الرئيس الحاكم فلن يكون تأثيرها إلا هامشياً في السياسة الأمريكية العامة.
ومن يرصد الملامح الاستراتيجية للسياسة الأمريكية التي انتهجها عشرة رؤساء سابقين؛ يصعب عليه العثور على تباينات ذات معنى فيما بينهم، وشخصية رئيس اليوم لن تغرّد خارج السرب، ولن تحرز تغيّراً تكتيكياً أو استراتيجياً في الاتجاه السائد في السياسة الأمريكية، وملامحه وانطباعاته، وحتى طرق تعاطيه مع وسائل التواصل الاجتماعي، ليست إلا «كاريزما» مطلوبة لرئيس اليوم، إنه كاركتر لشخصية تفاصيلها خادمة للمصلحة الأمريكية، لذلك لن تضرَّ البيت الأبيض اليوم ولاية رجل مجنون، كما يوصِّفه أهل بيته الداخلي قبل الاختصاصيين، حيث الصلاحيات الدستورية للرئيس لم يصبها تغيير ذو دلالة مهمة، ولو رجعنا إلى الوراء في قراءة مشهدية لخطابات ترامب المتناقضة خلال الحملة الانتخابية فلن نختلف في رصد الإشارات التي تشي بطغيان النزعة البراغماتية على فهمه للسياسة الدولية المتناغمة مع طبيعة مستشاريه، والتي لن تغير في مخرجات الموقف الأمريكي.
أما فيما يخص الملف السوري، فوجه الاختلاف ما بين ترامب وسلفه ليس ببعد الرؤية، بل بطريقة التعاطي مع الملف الآني، حيث عنوان حضورهم السياسي سيكون اليوم إدارة نتائج الأزمات التي اصطنعوها بأقل الخسائر، لذلك إذا ما وُجد الترامب قد أزبد وأرعد بفعل التهديدات على سورية بحجج واهية فليس لأنه يعاني أزمة نفسية بسبب شعوره بانعدام القيمة، حسب تشخيص الدكتورة (لي) وحسب، بل لأن الحرب على سورية حققت الحضور الشرعي للدولة السورية، الذي أظهر الوجه الحقيقي للسياسة الأمريكية تجاه المنطقة عامة، إذ وجد ترامب نفسه في قفص المساومة بالعدوان على سورية أمام بيته الداخلي، وليكن قرار الاعتداء قراراً غير شرعي، لكنه مقبول حسب بنك أهدافه بين أطياف البيت الأبيض.
قرار الاعتداء جاء رداً على أزمة سياسية وعسكرية تؤطر البيت الأبيض، وتبحث في منظور الأكاذيب عن أي تفسير يبرر اعتداءه  وهو الخاسر في الواقع الجيوسياسي، للاستفادة ما أمكن من مكاسب تفاوضية في البعد السياسي، من دون حياء فيما إذا انتهكت أمريكا القانون الدولي الذي تتشدق به في الأمم المتحدة.
وفي هذا المقام يصلح ما قاله الإمام الشافعي: لا يضرّ نهر الفرات يوماً.. إذا خاضت بعض الكلاب فيه.. ونحن نقول: لا يضر البيت الأبيض إذا خاض ترامب فيه يوماً..!
m.albairak@gmail.com

::طباعة::