بكثير من التفاصيل، تدقيقاً وتحليلاً وعرضاً للمجريات، أفردت وسائل الإعلام الغربية على اختلاف أنواعها ومستوياتها وانتماءاتها، مساحات واسعة للعدوان الثلاثي الذي نفذته كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا على سورية، وتميزت أغلب التغطيات حتى في وسائل إعلام الدول المعتدية بوضوح لابأس به حيال أن هذا العدوان لايعبر عن سياسة واضحة ولا اتزان في العمل السياسي والميداني، وأنه دليل إحباط أكثر منه دليل نجاح وتقدم، أو تفكير سليم حيال المرحلة المقبلة.
منذ أيام مضت كانت الذكرى الـ 15 للغزو الأمريكي للعراق تحت ذريعة «امتلاكه أسلحة دمار شامل»، كما زعم وزير خارجية أمريكا كولن باول في خطابه أمام مجلس الأمن الدولي في الـ 5 من شباط عام 2003، إذ شغل باول قبل ستة أسابيع على بدء الحرب آنذاك الرأي العالمي مدة 76 دقيقة من خلال خطاب ألقاه عن ضرورة شن حرب على العراق.
في ذلك الوقت ارتكز محتوى خطابه على «امتلاك العراق أسلحة كيميائية» واتهامه بدعم الإرهاب الدولي وسعيه إلى صنع أسلحة نووية، حسبما نقل التلفزيون الرسمي الألماني.
إن سبب العودة إلى خطاب باول في تلك اللحظات الحاسمة من تاريخ سورية ليس تذكيراً بنيران العراق في ذكرى الاحتلال الأمريكي له ولا يعني أن نيران بغداد تختلف عن نيران دمشق، بل هي تأكيد على ضرورة العودة إلى التاريخ وإلى خطاب باول تحديداً، من أجل أن يبقى في الذاكرة، لأنه باختصار وبعد مرور سنوات على خطابه يعود التاريخ ليقول وعلى لسان باول إن كل هذه الادعاءات تبين فيما بعد أنها خاطئة.. وأن الخطاب يعد وصمة عار في حياته المهنية.
اليوم يرسم ترامب سياسة العالم من خلال تغريدات يطلقها على «تويتر»، فالعالم في إمكانه متابعة قراراته المصيرية عبر تلك الوسيلة، وهو ما لم يسبق لرئيس أمريكي أن قام به، وهو ما قد يفسر تزايد شهية وسائل الإعلام مؤخراً للكتب التي تعطي نظرة ثاقبة إلى البيت الأبيض وما يجري داخل أروقته، وأبرز مثال على ذلك ما أثاره كتاب المدير السابق لمكتب التحقيقات الفيدرالي في البيت الأبيض جيمس كومي الذي سيصدر بعد عدة أيام كرد على تغريدات ترامب، حيث خاطب الشعب الأمريكي قائلاً: سوف تسمعون قصتي قريباً جداً ويمكنكم أن تحكموا بأنفسكم من هم الشرفاء الحقيقيون».
إن كومي يكشف في كتابه كيف تبدو القيادة الجيدة، كما يرسم صورة سيئة جداً لترامب في كتابه الجديد الذي سيصدر قريباً بعنوان: «ولاء أكبر.. الحقيقة والأكاذيب والزعامة» والذي عدّه معظم المحللين السياسيين تحدياً واضحاً لترامب، ولاسيما أنه كشف عبر صفحاته أسراراً يتعرف عليها العالم عن ترامب الذي وصفه بـ «الكاذب»، و«المدفوع بالأنانية» و«يطالب بالولاء الشخصي له».
إذاً السياسة عند ترامب تحكمها العلاقات وتحركها المصالح الشخصية وهو ما ذكره صراحة أقرب المقربين إليه.. وعليه إن لم تكن مع ترامب فأنت ضد الولايات المتحدة، ولعل ذلك ما جعل معظم الصحف الغربية تتسابق للتعليق على قراراته السياسية الجنونية بدءاً من الصحف البريطانية ومروراً بالأمريكية وحتى الفرنسية منها، حيث نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية موضوعاً لعضو مجلس العموم عن حزب العمال ووزيرة الخارجية في حكومة الظل البريطانية إيميلي ثورنبري بعنوان «الولاء الأعمى لترامب.. علاقة خاصة لا يمكن لبريطانيا أن تتحمل تكلفتها».
وقال الكاتب والمحلل البريطاني ديفيد أوزبورن إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، غير نهجه «أمريكا أولا» في أقل من 48 ساعة، وشن أول عملية عسكرية موجهة بشكل أساسي ضد سورية، متوقعا أن تزيد هذه الخطوة من شعبيته، لأنها تعيد واشنطن إلى الصدارة، وتعكس «الذكورية» الأمريكية.
كما عدّ الكاتب أن نهج الرئيس الأمريكي مخادع، فقد أدان مقتل الأطفال فى إدلب، متخذاً ذلك ذريعة لتسويغ الضربة، ومع ذلك أغلق الباب أمام اللاجئين الفارين من الحرب على سورية، وفي السياق ذاته سخر الكاتب والمذيع السياسي الساخر مارك ستيل من ترامب في مقال له على الصحيفة ذاتها قائلاً: «ياله من أمر مريح أن نكتشف بعد كل المخاوف أن ترامب رجل طيب القلب، إن العالم أساء فهم الرجل الذي أمر بقصف سورية وتجاوزوا الإساءة إلى حد وصفه بالمختل عقلياً.. كيف ذلك؟
ويقول ستيل إن صور «الأطفال السوريين» لم تمس قلب ترامب بشكل كاف أيضاً ليقبلهم كلاجئين، مضيفاً أن هؤلاء الأطفال لا يكفيهم أيضا التعلق بقطعة خشب عائمة ليصلوا إلى أوروبا بل ينبغي عليهم بذل المزيد من الجهد للحصول على رضا ترامب.
من ناحية أخرى، قالت صحيفة «الإندبندنت»، إن صدعا نشأ بين صهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر والمخطط الاستراتيجي في البيت الأبيض ستيف بانون بسبب اختلاف في الرؤى الإيديولوجية، حسب تقرير صدر مؤخراً.
وقال مسؤول رفض الكشف عن هويته لموقع «ديلي بيست الأمريكي» إن بانون نفّس عن غضبه ودعا كوشنر «بالعولمى» وcuckservative، وهو تعبير مسيء يشير إلى المنتمين للتيار المحافظ المتعاطفين مع القيم الليبرالية في الوقت ذاته، كما يحمل طابعاً جنسياً لأنه يأتي من كلمة «محافظ» الإنجليزية وكلمة «cuckold» التي تعني الرجل الذي يقبل أن تخونه زوجته
كما تساءلت صحيفة «الديلي ميل» البريطانية في مقال لها حمل عنوان: «هل تعجل ترامب بإطلاق النار عبر تويتر قبل الغارة الأمريكية على سورية؟
ويبدو أن الرد جاء سريعاً من مجلة «التايم» الأمريكية التي استثمرت التهديد الذي أطلقه ترامب بمقال عنونته المجلة: «ترامب يهدد باتخاذ إجراءات ضد سورية».
إن بعض الصحف الفرنسية لم تكن مع قرار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بضرورة الاشتراك مع الولايات المتحدة في ضرب سورية، حيث جاء في صحيفة «ليبراسيون» مقال يؤكد ذلك تحت عنوان: «غليان دبلوماسي يستبق الضربات الغربية على سورية»، وفي السياق ذاته حملت صحيفة «لوفيغارو» تساؤلاً يقول: «هل يتجه العالم نحو حرب عالمية ثالثة»؟ تضمن تحليلات عميقة يؤكد من خلالها الكاتب فشل الضربات الأمريكية على سورية بمشاركة كل من بريطانيا وفرنسا.
من جانبها أدانت الصحف الإسبانية الضربة الأمريكية، حيث أعرب بابلو إيجليساس الأمين العام لحزب بوديموس الإسباني عن رفضه لها، واصفاً إياها بـ «غير شرعية» لأنها قامت من دون تفويض من مجلس الأمن والأمم المتحدة ، ما يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة.

print